الإعلام الكُردي والإيلام الكردي

 ابراهيم محمود

لكَم كبُرَتْ في عيني صورة الكُردي عندما
زرت مبنى ” روج Roj “، إثر دعوة تلقيتها من هناك على خلفية من انتفاضة 12 آذار2004،
وهو يقع في مدينة ” آلست ” البلجيكية، حيث توافرت أحدث التقنيات في البث والاتصال
وتأمين المعلومات. كان مبنى يعج بالعاملين متعددي التخصصات، وقد شمخت قامة الكردي
الكردي مضاعفاً على وقْع الرؤية المباشرة، وتألقت هذه الصورة مجدداً، عندما دعيِت
لمقابلة سريعة في قناة ” روداو ” الأخبارية الكردية بدورها في أربيل سنة 2013 إثر
ندوة لمجموعة من الكتاب الكرد هناك، وما أكبر المسافة بين القناتين، سوى أنها تتنحى
كلياً عند النظر فيها مباشرة، فالمصدر واحد، وهو كرديتهما، وما أكثرها رعباً هذه
المسافة حين تحيل الكردية كرديات .
لسان الكردي واحد، بغضّ النظر عن طريقة النطق أو أسلوب التهجئة ، أنّى كانت القناة
الكردية اسماً وموقعاً، وألم الكردي واحد، مهما اختلف التعبير أو الحركة، والطعنة
التي يتلقاها الكردي: طعنة العدو المشترك تعتبره واحداً، أنّى كان موطن إقامته أو
زيه أو لونه أو هيئته…الخ، ولعلها من أبسط الأمور التي لا يتنبَّه إليها من قبل
من يقدّم الوازع التحزبي على الكردي الأصل فيه، وما في ذلك من تمزيق لصورة الكردية
فيه كانتماء وجداني وقومي كذلك .
وفي الإعلام الكردي، لكَم يجري خلط بين كونه
إعلاماً يعني كل كردي، وتحوُّله إيلاماً عندما تتم إزاحة الإعلام أو تجريده عن
مهمته الفعلية، أي ” خيانة الهدف والمهمة “، لحظة الاكتفاء بصوت واحد، ما أبحَّه،
واتجاه واحد، ما أضيقه .
نعم، ليكن للكردي أحزابه، فتلك فضيلة المدينة الأولى،
إنما ليس أن يكون الكردي مختزلاً في تصور حزبي يحوُل دون انتسابه إلى الحياة
الحقيقية، وأن يكون لكل قناة كردية مراسلوها في أي جهة كردية، فهو الإجراء الأول
لتقريب المسافة الفاصلة بين كردي وآخر، ويا لها من مأساة حين يعدَم صوت كرمى صوت
آخر، جرّاء تنميط الكردية !
ولا أظن للحظة واحدة، أن مراسل روداو حين كان يسمعنا
صوته، ويرينا صورته في أي جهة روجآفاوية، إنما كان يعبّر عن تلك الكردية المنشودة.
لم لا ؟ ولكل كردي حق في ذمّة الآخر على قدر عطائه وتضحيته من أجل الكردية
تماماً.
ولكَم هو القول حلو ودقيق، حين يتم التخلص من الجهات، واعتماد كردستان ”
لنتذكر حكمة الصديق الكردي بيشكجي  في ذلك “، أما ربط الكردي بالجهات فهو إعلام
موجع وتأكيد على أننا لم نبصر جهاتنا المختلفة.
مراسل روداو خارج ” روجآفا “،
لماذا ؟ لأن ثمة سياسة تحزبية تبحث عن صوت واحد بوتيرة واحدة، ومن جهة واحدة تمثّل
كل الجهات، وهي سلطة التمثيل الهرمية الضيقة والمضغوطة لقاعدة شعبية منزوعة التنوع،
كما لو أن كرد ” روجآفا ” ليسوا إلا” روناهيين، مثلاً ” شاؤوا أم أبوا، أو أن
روجآفا تحمل دمغة ” روناهي “، أن ” كوباني ” لم تحتضن يوماً كردياً محارباً
ومقاوماً وباذلاً دمه القاني والمشع من أجل كردستان وليس روجآفا ” الجهة، وهو
بيشمركي، والبيشمركية لا تعني حزباً، ولا فئة، ولا جماعة، ولا مذهباً، إلا إذا
مُرّرت الكلمة من معبر جغرافي تحزبي ضيق.
لكم تمنيت أن يكون لروناهي ظل هنا ” في
إقليم كردستان “، أن يكون لروداو وغير روداو ظل في روجآفا، ليستشعر الكردي أنه ليس
نزيل جهة مقتطعة، إنما هو فاعل كردستاني وليس مفعولاً فيه تحزبياً.
إن للمكان
شهادة عيانه، وهي القادرة على تأكيد الفارق الكبير بين تباهي الكردي بإعلامه،
وتجاهله لإيلامه وهو ضئيل الشأن، والحكمة السديدة كردياً، تتمثل في مراعاة حرمة
المكان، المكان الكردي الذي يسمّي الكرد عموماً. أتراني أتكلم منحازاً لروداو هنا،
وفي الأمس القريب ثمة جرح في الخاصرة الكردية على وقع توقيف كل نشاط لها
روجآفاوياً، وأنا أسمّي ضمناً، الساعي إلى فعل الإيلام هذا وحدوده وأبعاده ؟ ربما
كان ذلك صحيحاً، سوى أننا أسمّي الخطأ خطأ والحقيقة حقيقة، أي أتمسك بحقيقة إعلام
كردي حين يسمّي الكرد أكثر من كونهم تحزبيين أو مؤطرين حزبياً، وأشدّد على إبراز
الإيلام الكردي حين يتحول إعلام كردي ودفاعاً عن عقدة تحزبية، صراطية إلى فاعل
إيلام، وما في ذلك من استخفاف بواعية الكردي وثقافة الكردي وحواس الكردي وشهادة
الكردي عن الصواب والخطأ وموقع كل منهما .
دهوك- في 28 شباط 2016 
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟ فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما…

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…