مصير سوريا هل هناك حل أفضل من (جمهورية سوريا الفيدرالية) لإنقاذ شعوبها من ثارات ودمار مستمر؟

د. محمود عباس

  الحروب، تبيح المقدسات، وتهدم المفاهيم،
وتعيق التطور الحضاري، وتلغي الحلول المنطقية، مع ذلك تستمر القوى المتصارعة، مثلما
في سوريا، على تصعيدها، لا مبالية بما آلت إليها الشعب والوطن، إلى أن بلغوا حد
الجمود الفكري، فتفاقم الحقد تجاه الآخر، إلى تخوم اللاعودة، وشبه عدمية السلام،
وجميعها نابعة من خلفيات ثقافة الطغيان المطلق، المتضمنة لسيادة نزعة الاستبداد،
والكره لمطالب الشعوب، فبلغ بالجميع إلى حدود القطيعة مع العروض البديلة والمناسبة
للتعايش السلمي، وخلاص القوميات والطوائف والمذاهب، من كوارث ثارات قادمة لا محالة،
فلا بديل عن نظام مخالف للموجود يحفظ للكل حقوقهم، ويخلق لديهم الثقة والأمان داخل
سوريا موحدة. 
كالنظام الفيدرالي، ليس فقط للكرد بل والعلويين والدروز والمسيحيين والسنة، ومعها
لا مركزية السلطة، لكن وللغرابة، أغلبية المعارضة وسلطة بشار الأسد معا يشتركان في
رفضها، ليس لأنهم ضدها نهجاً، بل لأنهم ضد الكرد وقضيتهم، والتكفيريون منهم ضد
المذاهب والطوائف الأخرى، وبالعكس، ويدركون أنهم بهذا المنطق يدمرون مستقبل سوريا
وشعوبها، وهي خدمة للسلطات الشمولية الاستبدادية المجاورة كتركيا وإيران وبعض الدول
العربية، المعادية لبناء سوريا القادمة( إذا نهضت) بشكل حضاري، وحل قضايا شعوبها
كالكرد والعرب والدروز والسريان والأشوريين وغيرهم.
منذ بدايات تشكيل المجلس
الوطني السوري والائتلاف لاحقاً، والأن الهيئة العليا للمفاوضات، (لا نذكر سلطة
بشار الأسد ومعارضته وأدواته، معروفة تاريخها العنصري وحاضرها الموبوء) وضمن جميع
المؤتمرات والمجالس السياسية، برزت تصريحات عدائية ضد القضية الكردية في سوريا،
غطيت بمفاهيم متنوعة، كالوطنية أو الإخوة، أو التمييز بين الفصائل الكردية، والعداء
يتناسب حسب ضرورات اللحظة، وهم في الواقع ضد مطالب جميع الأحزاب، لأنهم يدركون أن
القضية الكردية ليست مرتبطة بشخصية معينة أو حزب دون آخر، علماً بينهم شخصيات
سياسية وثقافية وطنية عالية المدارك ومشهودة لها.
ثقافة بشار الأسد العدائية
الموروثة، جنحت به لاستخدام مبدأ شمشون، علي وعلى أعدائي، فدمر سوريا بكليتها،
ومعها الشعب الرافض له، وليشمل الدمار، نقلها إلى حرب أهلية بين السنة والعلوية، هي
ما تنهجه زعماء المعارضة إما لكراهية أو لجهالة، برفضهم لحقوق الأخرين، تحت حجة
الأولويات، والثانويات من الأمور، علماً أن الثقافة الذاتية تعكسها التصريحات
اللاإرادية، وفي اللحظات المفاجئة.


لسوريا فيدراليتها النوعية

بعيدا عن
تجارب الشعوب والدول ذات الدساتير المطبقة للنظام الفيدرالي، وانطلاقا من الذات
السورية، وعلى خلفية الصراع الذي بلغ تخوم الكراهية المطلقة، من خلال اللهجة، أو
المذهب، أو القومية، أو الأقسام الجغرافية، باستثناء شرائح قليلة من كلية الشعب،
وللتعايش السلمي لا حقا في سوريا المستقبل، وبناء الأفضل لكل منطقة من حيث الإدارة
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يتطلب نظام يحافظ على بقائها موحدة،
ومجموعات يخدمون مناطقهم  بتفاني، يكونون على معرفة بكل تفاصيل مجتمعهم، قادرين على
وضع الخطط التنموية الملائمة لطبيعة المنطقة والشعب، يدركون المناسب لثقافة أبناء
المنطقة. 
  بناءً على هذه الركائز تفرض لا مركزية السلطة ذاتها في سوريا،
وتطبيق النظام الفيدرالي للمناطق، حسب القومية أو الطائفة أو الجغرافية، ولا يتطلب
تطبيق تجربة خارجية، فمعظم الدول الحضارية تحترم دساتيرها، ولا تتجاوزها، بعكس ما
يحصل في شرقنا ودول العالم الثالث، حيث الدساتير فيها تتغير بجرة قلم أو بأمر ضابط
أو حزب انقلابي، لذلك وللاطمئنان لا بد وأن تكون لكل فيدرالية قوتها العسكرية
الخاصة، علما أنها خطوة نحو الكونفدرالية، كعامل حماية وثقة، وقد تكون تجربة إقليم
كردستان مثال قريب على هذه الإشكالية. فلولا البيشمركة، لأجتاحها المالكي بالجيش
العراقي الشيعي، خلال فترة الاحتدام بين المركز والإقليم، وهو من دفع بداعش
لمهاجمتها، وقوات المنطقة الفيدرالية حمت ليس فقط المنطقة وحدها، بل النظام
الفيدرالي ووحدة العراق.
   بدون النظام الفيدرالي ولا مركزية السلطة، سوريا
ستنجرف إلى التجزئة المؤكدة، فالوطن الذي شكل جغرافيته على قرار سياسي خارجي،
بالإمكان تجزئته بقرار مماثل، ملائم للشعوب التي أصبحت الثقة معدومة بينهم، يتلهف
جميعهم إلى الاستقلالية عوضاً عن الوحدة حيث الحروب الأهلية والمذهبية، والتي
ستستمر لسنوات قادمة مليئة بالثارات.


التجارة بالوطنية

 هذه الحقائق
الكارثية الواضحة، تتناساها شريحة من زعماء المعارضة العروبية-الإسلامية السياسية،
مع ذلك تعمل على ترسيخ النظام المركزي كالماضي الفاسد، تحت غطاء الوطنية، وتتناسى
أنها مهشمة ومفتتة، وستفاقم من التجزئة، الاجتماعية والثقافية، وستزيد العداوة
والأحقاد، بين شرائح المجتمع السوري، ويتطلب من الجميع البحث عن الأفضل للشعب، فبيع
الوطنيات على علاتها، والانطلاق من أجواء قاعات المؤتمرات، بعيدين عن معاناة الشعب،
دون إعارة الانتباه إلى  الصراع الحقيقي في عمقه، والمألات التي بلغتها الشعوب
السورية، متباهين بطرح مفاهيم طوباوية، بعيدة عن الواقع، تحت وباء وحدة جغرافية
سوريا، النداء الذي يعتبر بحد ذاته تأكيداً على قناعة ضمنية بالتجزئة الجارية
والقادمة، ولا يمكن إنقاذ وحدة سوريا إلا النظام الفيدرالي، رافضيها سيتحملون نتائج
الدمار القادم، ووزر السلطة المركزية الاستبدادية الآتية، والتي سوف لن تختلف عن
سلطة بشار الأسد، وستكون سوريا على أبواب صراعات جديدة، وحروب أهلية لا تقل بشاعة
عن الجاري.


 من أخطاء زعماء الحركة
الكردستانية:

   لا شك يتحمل جزء من مسؤولية، الاعتراض على النظام
الفيدرالي لسوريا عامة، أو للمنطقة الكردية وحدها جدلاً، ولا مركزية السلطة في
سوريا، زعماء من الحركة الكردستانية السياسية والثقافية، لتهاونهم مع القوى
المعادية لغربي كردستان، وعدم قدرتهم على إيصال المعضلة السياسية الدستورية هذه،
لمسؤولي أنظمة الحكم الديمقراطي الحضاري، والتساهل مع ذهنية زعماء المعارضة السورية
العروبيين، الذين يؤمنون بشكل أو آخر بمنطق البعث وشريعة التكفيريين الإسلاميين
كنهج لتكوين دولة وطنية. 
  فلقد تناوب البعض من زعماء الأحزاب الكردية ومنذ
بدايات الثورة السورية، تحت عوامل ما، على تقزيم جغرافية غربي كردستان، منهم من
جزئها على البنية الديمغرافية دون اعتبار لعقود التعريب، ومنهم شكل إدارات سياسية
منفصلة، فتحوا الأبواب للقوى المعادية ليحكموا على عدمية كردستان، ووجودها كجغرافية
موحدة في سوريا، وعليه تصاعدت في الفترة الأخيرة عدمية وجود الكرد التاريخي في غربي
كردستان، بعضهم، الذين يعادون الكرد، يبنونها على تصريحات سياسية لزعماء أحزاب
كردستانيين، والأغرب سماعنا قبل أقل من أسبوعين تصريح لأحد أكبر زعماء الحركة
السياسية الكردستانية، بعدم الترابط الجغرافي لغربي كردستان، وذلك من خلال كلمة
بخصوص مسيرة أحزابها وعلاقاتهم مع الدول الإقليمية والكبرى، كانت جملة عابرة، لكنها
وثيقة تاريخية، مرفوضة، على اعتبارات تاريخية وسياسية. فهذه التناقضات فتحت المجال
لزعماء من المعارضة السورية ومسؤولي سلطة بشار الأسد وبعض الكتاب العروبيين
بالتمادي على القضية الكردية، وعلى أثرها يرفضون الأفضل لسوريا القادمة، النظام
الفيدرالي ولا مركزية السلطة، حتى ولو كان على حساب مستقبل السلام في سوريا
القادمة.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة
الأمريكية

11/2/2016

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…