سورية في مهب الصراعات الدولية

 

زهرة أحمد
 

 

 “الصراع مبارزة تاريخية
ووجودية كبرى لم تحسم بعد”

 

الصراع: تفاعل بين البشر, ويتضمن درجة أعلى من مجرد التنافس, عندما تحاول
الأطراف المتنافسة دعم مراكزها على حساب مراكز الآخرين والحيلولة دون تحقيق الآخرين
لغاياتهم. حسب نظرية الصراع في علم الاجتماع: إن معظم الكيانات المجتمعية تشهد حالة
من الصراع الدائم من قبل المنضوين فيها. قانون الصراع هو الذي يحكم الكون ومهما كان
شكل الوحدة الإنسانية فإنها محكومة بقانون الصراع، تلك قاعدة تاريخية.
أما الصراع في مجال العلاقات الدولية: هو تنازع
الإرادات الوطنية, التنازع الناتج عن الاختلاف في دوافع الدول وفي تصوراتها
وأهدافها وتطلعاتها وتؤدي إلى اتخاذ قرارات وانتهاج سياسات خارجية تختلف أكثر مما
تتفق, ولكن برغم ذلك يظل الصراع بكل توتراته وضغوطه دون نقطة الحرب المسلحة.

 

فالصراع وليس التعاون هو الطابع
المميز للعلاقات الدولية الراهنة.  إن التناقضات الجوهرية في المصالح السياسية
والإستراتيجية ساهمت في تعزيز انقسام العالم إلى شرق وغرب والتي هو نتيجة مباشرة من
النتائج التاريخية المميزة التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية.  إن الشرق والغرب
يمثلان إيديولوجيات مختلفة وينطلقان من تصورات وانطباعات متباينة تجاه الواقع,
وتجاه نوايا بعضهما وتسعى كل منهما لتحقيق مصالح متعددة كما تطمح كل منهما إلى
تعزيز تفوقه وهيمنته على العالم وتشكيل تطوره بما يتناسب مع مصالحه وإيديولوجيته
الخاصة. هذا الصراع المتمثل بأمريكا وروسيا برز بشكله الفعلي والقوي في سوريا، في
سمائها وعلى ملفاته الحوارية ليغذي جميع التوترات والأزمات الأخرى.
حاولت
أمريكا أن تلعب دور المنقذ للشعب السوري، مبطنة غاياتها ومصالحها, لكن ترددها في
إيجاد مخرج للأزمة السورية حال دون تحقيق غاياتها. شاهدت مصرع الشعب السوري
واستخدام الأسلحة الكيماوية والمحرمة دولياً, راقبت بصمت قصف المدنيين الأبرياء
وتهديم الكنائس والجوامع والمتاحف, لم تدعم المعارضة كما يجب سياسياً, وبرنامج
تدريب المعارضة السورية لم تجعل منها قوة عسكرية داعمة للقرار السياسي. شاهدت تدمير
سوريا بشعبها, كل ذلك لم يرف لها جفن ولم يدعم مشروعها الإنقاذي, لتتوه أمريكا في
دهاليز الصمت, وتصبح سوريا مسرحاً للإرهاب والجماعات التكفيرية.
لم تصحُ أمريكا من غفوتها إلا على أصوات الطائرات الروسيا في
الأجواء السوريا لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل الأزمة السورية المتشابكة, ولتزيد بؤرة
المتاهة وعدم الاستقرار كاشفةً القناع عن تدخلها السري في خارطة سوريا لتتجاوز
روسيا بذلك عزلتها السياسية والإقتصادية وتعوض خسارتها في مناطق أُخرى. روسيا
الغائب الحاضر في سوريا بكل تفاصيلها, ساهمت في حماية النظام الأسدي منذ بداية
الثورة السوريا, سياسياً: باستخدامها حق الفيتو في مجلس الأمن ضد أي قرار دولي بشأن
الحل في سوريا, لتكون شريكاً بجرائم النظام ضد شعبه. وعسكرياً: استفادت من تراخي
الموقف الأمريكي في إنهاء الأزمة لتزين سماء سوريا بطائرتها التي بدأت بغاراتها دون
سابق إنذار أو أي اعتبار لأمريكا التي بدورها سارعت لتعزيز وجودها في سوريا، ليبدأ
الصراع الدولي من جديد, صراع الشرق والغرب, ليعيد التاريخ نفسه وتبدأ مرحلة
الحوارات بإدارة الصراع دون مشاركة الشعب السوري أصحاب القضية والقرار, لتستلم
روسيا ملف سوريا في الحوارات الدولية كوصي يقرر مصير شعب لا حول له ولا قوة. الشعب
الذي ثار من أجل حريته وكرامته, من أجل المساواة والعدالة, قدم تضحيات جسيمة تفوق
العقل والخيال, يحرم الآن من حقه في تقرير مصيره بنفسه. ترسم روسيا وأمريكا خارطة
الحل السياسي للأزمة السورية في فيينا, والشعب يقتل وتهان كرامته. ثقافة استعمارية
حاضرة بين سطور الحوارات وعلى خارطة الحل, وصراع دولي على تحقيق مصالحها بعد أن كرس
النظام الإنقسامات بين مكوناته العرقية والمذهبية, ونال الإرهاب من انسانيتها,
لتكون سوريا جسداً هشاً تنهشها الأنياب الخارجية على طاولة الحوارات في فيينا.
لكن، ستكون روسيا المنقذ لويلات الشعب السوري؟ أم سنكون أمام تسميات جديدة؟ هل
ستكتب سوريا نهاية الصراع الدولي؟ أم ستتعمق أكثر في متاهات
الضياع؟
هل ستشهد سوريا في الأسابيع القادمة انتقالاً سياسياً؟ أم
ستذهب اتفاقية فيينا أو نيويورك أدراج الرياح كسابقتها في جنيف؟.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…