في جذور وشرور التيار المغامر بالحركة الكردية

صلاح بدرالدين

لم يكن انتقال الحركات
القومية الكردية الثائرة بوجه الظلم القومي والاجتماعي المبعثرة في سنوات القرن
العشرين من حالة التفكك المناطقي والانقسام العشائري العائلي والارتهان لدور الفرد
شيخا كان أو آغا أو وجيها أوسليل ذلك البيت العريق أوذاك الى مرحلة الانتظام في
أحزاب ومنظمات والتحول الى فضاءات حركات التحرر الوطني مثل سائر شعوب الشرق
بالأمرالسهل لأسباب موضوعية تتعلق بدرجة الوعي المتدني وتفشي الجهل والأمية وسيطرة
العلاقات الاجتماعية مادون القومية وتحكم البيروقراطيات العنصرية الفاسدة في مقاليد
حكم الامبراطوريتين العثمانية والصفوية وحظوتها لدى مراكز المتروبولات الاستعمارية
الأوروبية وذاتية تتعلق بانعدام فئات اجتماعية متنورة في المجتمع الكردي مؤهلة لفهم
قواعد الصراع وماهو لصالح الكرد وطرق افهام الآخرين بأحقية ومشروعية القضية . 
  حركات الشعوب العربية والتركية والايرانية وخصوصا في الدول الأربعة المقسمة للكرد
ووطنهم التاريخي سبقت الحركة القومية الكردية بأجيال ونالت ماكانت تصبو اليه في
تحقيق الدولة القومية التي يربو عمر بعضها على القرن في حين لم يتحقق للكرد الا
كيانا فدراليا غير مأمون الجانب حتى الآن وعندما اكتملت شروط الانتقال الكردي الى
مرحلة بناء الأحزاب في أطر الدول الأربعة القائمة كان لديها مؤسسات أمنية وعسكرية
وادارية ونفوذ وسيطرة .

  الأحزاب الكردية
بين القرار المستقل والتبعية

    فقسم من تلك الأحزاب نشأت بعيدة عن
تحكم السلطات وقسم آخر كانت تحت السيطرة منذ اليوم الأول وقد كان الأخير أحد
المنابع الرئيسية للتيارات المغامرة والمقامرة التي ألحقت الأذية بالشعب الكردي في
حروبها العبثية باقتتال الاخوة والأضرار الفادحة بحركته الوطنية واذا كان بعض تلك
الأحزاب وكما ذكرنا نشأ تحت رحمة وتوجيه القوى الحاكمة السائدة بغية التحكم بها
واستخدامها ضد الأطراف الكردية الوطنية والديموقراطية الساعية الى حل القضية
الكردية سلميا على أساس حق تقرير المصير وبالتوافق والتضامن مع القوى الديموقراطية
للشعوب المتعايشة من عرب وترك وايرانيين وكمثال فقد نشأ كل من حزب ( الاتحاد الوطني
الكردستاني بزعامة الطالباني ) و ( حزب العمال الكردستاني بزعامة أوجلان ) في أحضان
نظام الدكتاتور حافظ الأسد وهما وماتفرع عنهما من ( حركة التغيير – كوران )
و(الاتحاد الديموقراطي – ب ي د ) يشكلون النموذج الساطع للتيارات المغامرة بالحركة
الكردية في المرحلة الراهنة .
  قسم آخر من المنظمات الكردية من غير ذي وزن
أوشأن في الدول الأربعة من صنيعة الأجهزة الأمنية وتحت حمايتها محسوبة ثقافيا
وفكريا على التيار نفسه وهي اما استنجدت بالسلطات جراء هزيمتها في الصراعات
السياسية ولفظها من قبل الجماهير الشعبية مثال ( الحزب الديموقراطي الكردي – جناح
اليمين – ) الذي احتاج الى كلمة التقدمية فيمابعد أو مثال الأحزاب الكرتونية التي
اخترعتها أجهزة نظام الدكتاتور صدام حسين ابان بيان الحادي عشر من آذار لعام 1970
.
  المنحى العام لهذه التيارات المغامرة تبعيتها للأنظمة المقسمة للشعب الكردي
بل تمثيل مصالحها في أغلب الأحيان واستناد خطابها الى نزعة الغاء الآخر المختلف
وثقافة التعبئة المناطقية والمذهبية بدلا من الوطنية والقومية الديموقراطية وعدم
تبنيها لمبدأ حق تقرير المصير واستخدام مصطلحات مضللة بهذا الشأن وممارسة سلوك
الترويع والمبالغة بدلا من طمأنة الناس والصدقية في مخاطبة الجماهير ولجوئها الى
الشارع عبر الغوغاء لتنفيذ أجندتها حتى لوكان ذلك على حساب أرواح المواطنين والأخطر
من هذا وذاك انخراطها في الوقت الحالي بمحور – طهران – دمشق – الممانع والذي يقود
حملة مواجهة الثورة السورية الوطنية وتوسيع النفوذ المذهبي على حساب الوطني في كل
المنطقة عبر جماعات مسلحة والحؤول دون بناء النظم الديموقراطية واعادة ترميم الدولة
تأسيسا لحكم الميليشيات كما يحصل في لبنان .
  فقط للتذكير تعتبر الأنظمة
الممانعة من أشد المعادين للكرد وارادتهم في انتزاع حق تقرير المصير وهي تستخدم
التيارات المغامرة في كل من سوريا والعراق لأغراضها الخاصة منذ عقود وحتى الآن ومن
أجل اجهاض المشروع الوطني الكردي وتفتيت الحركة وخاصة تيارها الديموقراطي المعتدل
الساعي الى السلام والعيش المشترك .
  يحلو لمسيري التيارات المغامرة الكردية
اطلاق شعارات اليسار المغامرأحيانا وهم عادة من أثرياء الأعمال المافيوية وأمراء
الحروب ومتلقي أموال الأنظمة الغاصبة للكرد ووطنهم وناهبي أموال الشعب  ثم العودة
الى نقيضها اليميني الرجعي المذهبي في الوقت ذاته وبذلك يمكن أن تكون أوساط تلك
التيارات عرضة لنمو النزعة الارهابية في صفوفها وتكون الأبواب مفتوحة أمامها
للالتحاق والتمازج مع نمط ارهاب الدولة السائد الآن في نظامي سوريا وايران .
   السبيل الأمثل لمواجهة التيارات المغامرة هو اعادة الاعتبار للمشروع الوطني الكردي
الديموقراطي في كل جزء وتعزيز صفوف قوى الاعتدال والتنسيق فيما بينها والتعاون مع
قوى الثورة والتغيير الديموقراطي لدى الشعوب العربية والايرانية والتركية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عصمت شاهين الدوسكي عندما تكون الجبهة الداخلية قوية تكون الجبهة الحدودية اقوى. النفوس الضعيفة تستغل الشائعات لاشعال الفتن بين الناس. كثرت في الاونة الاخيرة افة الشائعات خاصة بعد بداية حرب امريكا وايران وفي كل الحروب تبدأ الشائعات بالظهور بشكل واخر. ولكي نكون على دراية بفكرة الشائعات يمكن تعريفها بشكل بسيط: الشائعات هي وسيلة من وسائل الحرب تستخدم فيها الاوهام والاكاذيب…

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…