تدريس «فكر» اوجلان في غرب كردستان يتنافى مع حرية الفرد

بيار روباري

إن تدريس أي فكر أيدلوجي أو ديني في مدارس كردستان، كما كان الحال
في الدول الشيوعية السابقة، أو التي حكمتها أنظمة شمولية على شاكلة نظام البعث
السوري والعراقي، والناصري في مصر، ورجال الدين في طهران، هو منافٍ لحرية الفرد
وإختياراته، ويتناقض كليآ مع قواعد الديمقراطية، وبناء دولة المؤسسات التي حققتها
الشعوب الحرة، كالمجتمع الفرنسي والبريطاني والمجتماعات الاسكندنافية.
إن فرض
فكر واحد على المجتمع عنوةً من خلال المدارس، بهدف تدجينه وترويضه، ينتج مجتمعآ
عقيمآ وجاهلآ، وفي النهاية يؤدي إلى مجتمع متخلف عن ركب الحضارة والمعرفة، كما جرى
مع مجتمعات المعسكر الشرقي، وكوبا وكوريا الشمالية، وفيتنام وإيران والسودان وسوريا
والعراق وليبيا وغيرهما من الدول.
إن التدخل في إختيارات الناس الفكرية والسياسية والتعليمية والدينية، مرفوضة رفضآ
باتآ، وهي مناقضة لحق الإنسان في الإختيار. ولا يحق لأي حزب أو سلطة سياسية، أن
تصادر هذا الحق الأساسي والطبيعي لكل فردٍ منا. وبناءً عليه لا يجوز لصالح مسلم
وحزبه فرض ما يسمون «فكر» اوجلان على أبناء الشعب الكردي، هذا إذا إفترضنا إن لدى
السيد اوجلان فكر.
لأن في الحقيقة، كل أفكار أوجلان حول (الإمة الديمقراطي) ليست
سوى هلوسات، مثل هلوسات العقيد القذافي وكتابه الأخضر واللجان الشعبية، والذي سماه
بالطريق الثالث، وحكم ليبيا أربعين عامآ بالحديد والنار. إن كل من السيد القذافي
وأوجلان إستمدا أفكارهما من الماركسية- اللينية وأفكار ماو
تسي تونغ وإستالين. ومعروف نهاية جميع تلك الأفكار الشمولية الدينية منها
والسياسية، وكيف إنتهت بكوارث ومأسي لشعوب تلك البلدان .
إن الشعوب لا يمكن أن
تتطور، إلا في ظل الحرية وصراع الأفكار، وإطلاق المبادرات الفردية، وحق الإنسان في
الإختيار. الفكر هو سلعة مثل غيرها من السلع، يجب أن يكون هناك بينها منافسة حرة
وحقيقية، والمرء حر ما يختار منها، ولا أحد له الحق أن يحتكر السوق. لأن ذلك مخالف
لقانون السوق، وثانيآ منافٍ لطبيعة الأشياء والحياة التي تقوم على التعددية في كل
شيئ.
إن وضع البرامج التعليمية هي من مهمة المختصين في كل مجال على حدى، وليس
مهمة أعضاء هذا الحزب أو ذاك. إن ما يقوم به جماعة (ب ي د)، في هذا المجال ومجالات
إخرى عديدة، هي نفس المماراسات، التي كان يمارسها حزب العبث البغيض خلال أكثر من
خمسين عامآ. فقد أدلج حزب البعث في  كل من سوريا والعراق، التعليم والجيش والإعلام
والنقابات، ورأينا كيف كانت النتائج كارثية على البلدين. وشخصيآ لم يفاجئني تصرفات
حزب الإتحاد «الديمقراطي»، لأنه خريج نفس المدرسة الفكرية الشمولية البائسة. 
ولتجنب مصير الدولتين سوريا والعراق في ظل حزب البعث الشمولي والمستبد، أدعوا
جميع الأصوات الحرة في المجتمع الكردي، إلى رفض هذا النهج التدميري، الذي يتبعه (ب
ي د) والوقوف في وجهه بالطرق السلمية، ومطالبته بالتوقف عن هذا النهج العقيم
والخطِر على مستقبل الشعب الكردي. 
إن ما يحتاج الشعب الكردي من معرفة إلى جانب
العلوم التطبيقية، هي مبادئ الحرية والديمقراطية، وشرعة إمم المتحدة، وحقوق
الإنسان، حقوق الطفل والمرأة، ومفهوم الدولة، مفهوم المواطنة، الإطلاع على دستاتير
الدول الديمقراطية وكيفية عمل هذه الأنظمة ومؤسساتها، دراسة تاريخ وجغرافية
كردستان، بشرط أن يتشارك في كتابتها  خبراء من جميع أجزاء كردستان الأربعة، وتكون
بعيد عن التحزب والشخصنة. ومن يرغب في الإطلاع على أفكار اوجلان أو غيره من
الأشخاص، عليه فعل ذلك خارج نطاق المؤسسة التعليمية وبمبادرة فردية منه. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…