صلاح عمر
المجلس الوطني الكردي لا يواجه اليوم أزمة تعبير، بل أزمة مشروع معلن. فبعد متابعة لقاء السيد محمد إسماعيل على قناة «شمس الإخبارية»، بدا أن خطاب المجلس ما زال عالقاً في تبرير النوايا: نحن سلميون، لسنا ضد النظام، ونريد سوريا موحدة. لكن هذه العبارات، مهما بدت مطمئنة، لا تجيب عن السؤال الذي يفرض نفسه على المجلس والكرد وسوريا الجديدة: ماذا يريد المجلس سياسياً ودستورياً، وكيف سيحصل عليه؟
المشكلة ليست في الهدوء أو السلمية أو رفض العداء للنظام السوري الجديد. المشكلة أن هذه المواقف تحولت إلى بديل عن تحديد المطالب والأدوات والضمانات. فالسياسة لا تُقاس بما تنفيه فقط، بل بما تطرحه بوضوح، وما تملكه للدفاع عنه، وما تفعله عندما يواجه بالرفض أو المماطلة.
وهنا تحديداً غاب السؤال الأهم عن اللقاء: ما هو المشروع السياسي للمجلس الوطني الكردي اليوم؟
فالمجلس ليس إطاراً جديداً يبحث عن هويته السياسية. لديه تاريخ ووثائق ومواقف معلنة. وقد سبق له أن طرح الاعتراف الدستوري بوجود الشعب الكردي وحقوقه القومية، وتحدث عن الدولة الاتحادية، ثم تطورت خطاباته اللاحقة باتجاه الدولة الديمقراطية التعددية اللامركزية وضمان الحقوق القومية والسياسية دستورياً. كما أكد في 2026 أن المرسوم الرئاسي رقم 13 خطوة أولية، وأن الحل العادل للقضية الكردية يحتاج إلى معالجة دستورية أعمق وشراكة حقيقية.
إذن، إذا كان هذا هو الموقف السياسي المعلن، فلماذا لا نسمعه بوضوح عندما يجلس ممثل المجلس أمام الجمهور؟
لماذا يتحول الخطاب إلى تكرار لعبارات من قبيل «نحن سلميون»، و«لسنا ضد النظام»، و«نريد سوريا موحدة»؟ هذه كلها إجابات عن أسئلة لم تعد هي جوهر المسألة. السؤال الذي ينتظر الناس سماعه هو: ماذا تريدون من سوريا الجديدة؟
هل تريدون اعترافاً دستورياً صريحاً بالكرد كشعب أصيل؟ هل تطالبون بحقوق قومية وسياسية واضحة؟ ما موقع اللغة الكردية في الدولة ومؤسساتها؟ ما شكل اللامركزية التي تريدونها؟ هل ما زالت الفيدرالية جزءاً من رؤيتكم السياسية، أم تراجعتم عنها؟ وما هي الضمانات التي تمنعون بها عودة المركزية وسياسات التمييز السابقة؟ ثم، والأهم: ما هي أوراق القوة التي تملكونها للتفاوض على هذه المطالب؟
هذه ليست أسئلة ترفية، ولا أسئلة يطرحها خصوم المجلس للتشويش عليه. هذه هي الأسئلة التي يفترض أن يجيب عنها أي إطار سياسي يدّعي تمثيل جزء من شعبه في لحظة تاريخية كهذه.
لقد تغيّرت سوريا، وانتهت مرحلة كاملة، وتبدلت موازين القوى، وتراجع الدور العسكري المستقل لقوات سوريا الديمقراطية بعد مسار الدمج في مؤسسات الدولة، وأصبحت القضية الكردية أمام اختبار سياسي ودستوري مباشر. وفي مثل هذه اللحظة، لا يكفي أن نستعيد العبارات نفسها التي قيلت قبل سنوات ونضعها في سياق جديد، وكأن الزمن توقف ولم يتغير شيء.
المرحلة الجديدة لا تحتاج إلى إعادة تدوير المواقف؛ تحتاج إلى إعادة تعريف الموقف نفسه.
وهنا تكمن المشكلة الأكبر: أن المجلس يمتلك، على الورق، عناوين سياسية أكثر وضوحاً مما يظهر أحياناً في خطابه الإعلامي. فقد أكد في شباط/فبراير 2026 أن المطلوب هو ترجمة التوجهات الإيجابية إلى خطوات عملية، وأن حقوق الكرد القومية ينبغي أن تُضمن في الدستور، وأن سوريا الجديدة ينبغي أن تكون موحدة وديمقراطية ولا مركزية وتعددية. فإذا كان هذا هو الموقف، فلماذا لا يتحول إلى برنامج تفاوضي واضح يعرفه الشارع الكردي، وتعرفه دمشق، وتعرفه القوى السورية والإقليمية والدولية؟
السياسة لا تقوم على أن تقول إنك تريد الخير، بل على أن تحدد ما هو الخير الذي تريده، وكيف ستصل إليه، وما الثمن الذي أنت مستعد لدفعه، وما الخط الذي لن تتجاوزه.
والأدهى من ذلك أن الخطاب الذي يكثر من إثبات حسن النية قد يعطي، من حيث لا يريد صاحبه، انطباعاً بأن صاحبه منشغل بإقناع الطرف الآخر بأنه غير خطير أكثر من انشغاله بإقناعه بحقوق شعبه. وفي السياسة، هذه مشكلة حقيقية؛ لأن الطرف الذي يدخل التفاوض وهو يشرح باستمرار ما لن يفعله، بينما لا يشرح بما يكفي ما يريد تحقيقه، قد يجد نفسه وقد قدم التنازلات قبل أن تبدأ المفاوضات.
نحن لا نحتاج من المجلس أن يهدد أحداً، ولا أن يرفع سقف الخطاب إلى حدود غير واقعية، ولا أن يتخلى عن السلمية. على العكس، القوة السياسية لا تحتاج إلى الصراخ. لكنها تحتاج إلى وضوح. والسياسي الهادئ يمكن أن يكون شديد الصلابة إذا كان يعرف ماذا يريد، ويملك أدواته، ويتحدث باسم مشروع واضح.
أما أن يكون الهدوء مقروناً بالغموض، والسلمية مقرونة بغياب أدوات الضغط، وحسن النية مقروناً بعدم تحديد البدائل، فذلك لا يسمى سياسة واقعية؛ بل قد يتحول إلى انتظارٍ سياسي طويل، فيما يتولى الآخرون رسم المستقبل.
ولذلك، فإن النقد هنا ليس موجهاً إلى شخص محمد إسماعيل، ولا إلى المجلس بوصفه مؤسسة، بل إلى أداء سياسي يحتاج إلى مراجعة عميقة. والمجلس، إذا أراد أن يكون لاعباً مؤثراً في المرحلة المقبلة، لا يستطيع أن يكتفي بإدارة المواقف اليومية أو الرد على الأحداث بعد وقوعها. عليه أن ينتقل إلى صناعة الموقف، وأن يقدم للشعب الكردي وللسوريين ولدمشق وللعالم تصوراً واضحاً لما يريده.
نريد أن نعرف: ما هو مشروعكم السياسي؟ ما هي أهدافكم المرحلية والاستراتيجية؟ ما الذي ستطالبون به في الدستور؟ ما هي صيغة اللامركزية التي ترونها مناسبة؟ ما موقفكم النهائي من الفيدرالية؟ ما هي ضماناتكم لمنع التراجع عن الحقوق؟ كيف ستشاركون في صياغة الدستور؟ وكيف ستتعاملون مع الرفض أو المماطلة أو محاولة اختزال القضية الكردية في اللغة والثقافة فقط؟
والأهم من كل ذلك: ما هي الخطة؟
لأن السياسة ليست طموحات تُقال أمام الكاميرا، وإنما مشروع له بداية ومسار وأدوات وبدائل ونتائج قابلة للقياس.
وبصراحة، كان بإمكاني أن أتوقف عند اللقاء نقطةً نقطة، وأن أفكك كل إجابة، وأتوقف عند كل تكرار وكل عبارة ناقصة أو ملتبسة. لكنني لا أعتقد أن المشكلة تحتاج إلى هذا القدر من التشريح. معظم من تابع اللقاء يعرف ما قيل، ويعرف أيضاً أن جزءاً كبيراً من الكلام كان إعادة إنتاج لمواقف سمعها الكرد مراراً خلال السنوات الماضية.
وليس لدينا ترف إعادة الاستماع إلى الماضي بينما تُكتب صفحات المستقبل أمام أعيننا.
المطلوب ليس خطاباً جديداً في اللغة، بل سياسة جديدة في المضمون.
المجلس الوطني الكردي أمام فرصة، لكنه أمام مسؤولية أيضاً. وإذا كان يريد فعلاً أن يكون أحد العناوين السياسية الأساسية للكرد في سوريا الجديدة، فعليه أن يخرج من منطق الدفاع عن وجوده إلى منطق إثبات ضرورته، ومن خطاب «نحن لسنا ضد أحد» إلى خطاب «هذا ما نريده لشعبنا، وهذه هي رؤيتنا لسوريا، وهذه هي الضمانات التي لا يمكن أن نتخلى عنها، وهذه هي الوسائل السياسية التي سنستخدمها لتحقيقها».
فالكرد لا يحتاجون إلى حزب يطمئن الآخرين إلى نواياه بقدر ما يحتاجون إلى قوة سياسية تطمئنهم هم إلى مستقبل قضيتهم.
وعليه، فإن المطلوب من المجلس الآن ليس بياناً جديداً ولا مقابلة أخرى، بل قرار سياسي معلن: أن يطرح خلال فترة زمنية محددة وثيقةً مختصرة تتضمن مطالبه الدستورية، وشكل اللامركزية الذي يريده، وموقفه النهائي من الفيدرالية، وضمانات الحقوق، وخطة التفاوض وأدوات الضغط والبدائل. ثم يضع هذه الوثيقة أمام الشارع الكردي ودمشق والقوى السورية والدولية، ويفتح نقاشاً علنياً حولها.
فالسؤال الذي ينبغي أن يواجه المجلس نفسه به ليس: هل نحن سلميون؟ ولا: هل نحن ضد النظام؟ بل السؤال الأصعب والأكثر أهمية: ماذا نريد أن ننتزع سياسياً ودستورياً من هذه اللحظة التاريخية، وكيف سنفعل ذلك؟
إذا لم تكن هناك إجابة واضحة عن هذا السؤال، فالمشكلة ليست في ضعف الخطاب الإعلامي فقط؛ المشكلة أن الخطاب نفسه قد يكون قد أصبح بديلاً عن المشروع.




