في وصف مبادرة الدرويش

جلال منلا علي 

أطلق السيد عبد
الحميد درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا من معقله في
السليمانية (إقليم كردستان العراق) في الثاني عشر من الشهر الجاري آب عن مبادرة له
حول تسوية الأزمة السورية بعنوان “فلتتوقف هذه الحرب المجنونة” وقد تلخصت رؤيته
للحل السلمي بأربع نقاط وهي:
1- البدء بالوقف الفوري للقتال بين الحكومة
وتوابعها، وبين الجيش الحر، وتوجيه فوهات بنادق الطرفين نحو محاربة الفصائل
الإرهابية كداعش وأخواتها.
2- المبادرة دون قيد أو شرط، إلى اطلاق سراح جميع
السجناء السياسيين الذين ذاقوا الأمرين حسب المعلومات الواردة من هذه السجون،
وأصبحوا رهينة هذه الحرب وضحاياها.
3- السماح لكافة المعارضين والمنشقين (مدنيين وعسكريين)، أن يعودوا إلى وطنهم دونما
مساءلة أو تحقيق.
4- على المعارضة الوطنية أن تعلن من جهتها استعدادها للتفاوض
مع السلطة دون شروط مسبقة، وان تبادر إلى تعيين وفد يقوم بهذه المهمة، وعلى النظام
أن يستجيب لهذه المبادرة، والقبول هو الآخر بالبدء بالحوار معها على أساس
جنيف1.
ومهما يكن فإن مبادرته هذه لا تختلف نصاً ولا روحاً عن عشرات المبادرات
التي أعلنت فيما سبق من جانب حلفاء النظام من دول وقوى وأحزاب وشخصيات محسوبة على
النظام وآخرها كانت المبادرة الإيرانية والتي تم تدارسها مع الطاغية بشار أثناء
زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى دمشق مؤخراً. وبالرغم من ذلك فإن جميع
المبادرات التي طرحت حتى تاريخه لم تلق آذاناً صاغية لها للعديد من الأسباب الذاتية
والموضوعية من داخلية وخارجية وبالعكس من ذلك فقد تفاقمت الحالة السورية وتعقدت
الأمور بسبب الأجندات الإقليمية والدولية المفروضة على الساحة الوطنية.
وبتصوري
فإن مبادرة السيد السكرتير لم تتوفق في تشخيص الحالة ولا حتى في وصف المشهد السوري
كما هو كأن يصف (الثورة) ب(الانتفاضة) وأعتبر (الحكومة) طرفاً في القتال بدلاً من
(النظام) كما رأى في أن قسم من الجماهير وبعض الجهات الاقليمية والدولية من دون أن
يسميها وكذلك البعض من الجهات الأمنية السبب في تأزيم الأزمة السورية والحرب
الأهلية كما سماها.. أراد بذلك تحييد (بشار الأسد) من المسؤولية العامة والمباشرة
ولم يأت على ذكره مطلقاً (لا بالمنيح ولا بالعاطل) كما يقول المثل الشعبي وغيبه
تماماً. وبالتالي فإن جوهر الصراع الدائر منذ خمس سنوات هو بين النظام وحلفائه
الداخليين والخارجيين من جهة وبين الشعب السوري بكل مكوناته وأطيافه وفئاته وطبقاته
الاجتماعية المتضررة من سياسات النظام وممارساته الاستبدادية طيلة أكثر من نصف قرن
من جهة أخرى وإن أخذت في بعض الحالات أبعاداً طائفية أو دينية أو عرقية فلأن النظام
أرادها بهذه الصورة ..
وحسب زعمي فلا يختلف أحد على مبادئ جنيف 1 فهي مقبولة لدى
جميع الأطراف ومراكز القرار الدولي وإن كان البعض من حلفاء النظام تتواطئ مع النظام
في بعض التفسيرات وقد وضعت أصلاً لتكون أساساً يمكن البناء عليه مستقبلاً. 
وفي
الفقرة (4) والأخيرة من مبادرته يلزم السيد السكرتير المعارضة الوطنية أن تعلن
استعدادها للتفاوض مع السلطة دون شروط مسبقة. ودون أن يفصح من هم المعارضة الوطنية
بالاسم والعنوان..؟ ولماذا بدون شروط..؟ وإذا كان يقصد بذلك شرط إزاحة النظام فإن
هذا (الشرط) هو المدخل الشرعي لأية عملية تفاوضية راهنة أو لاحقة وكان حريّ به أي
بصاحب المبادرة أن يشترط على الأسد الرحيل بقبول تطلعات الشعب السوري الوطنية
ومطالبه المحقة في العيش بحرية وكرامة وتقرير المصير.
وقد لاحظت من خلال قراءتي
لسطور المبادرة وما بينها أن السيد السكرتير يريد تطبيع العلاقات مع النظام ولو من
جهته فقط عسى ولعل أن يرأب الصدع بين الحركة الكردية والنظام ولمحو آثار الندم على
القطيعة التي وقع فيها مع النظام لسنوات ثلاث أو أربع مضت أجبر عليها ضمن (المجموعة
الكردية) التي كانت قائمة آنذاك.
واعتقد أن أية مبادرة لا تحظى بالقبول أو
الاستحسان مهما كانت إيجابية وموزونة إذا لم يكن لصاحبها القوة الكافية والشروط
اللازمة لمصاحبة تلك المبادرة .. بمعنى ما قيمة هذه المبادرة مع احترامي للسيد
عبدالحميد درويش وسط تزاحم المبادرات الروسية والإيرانية والسعودية والمصرية
ولاسيما مقترحات المبعوث الدولي دي مستورا ورحلاته المكوكية في العواصم وبين
الأطراف ..؟ ولماذا ياعزيزي السكرتير لم تقم ولو بمبادرة جريئة ومتواضعة داخل البيت
الكردي..؟ بهدف الحد من الاستعصاءات الكردية وفي سبيل الارتقاء بالحركة السياسية
الكردية لمواكبة المرحلة وصيرورتها التاريخية ..ألا تعتقد بأن الأولوية هي لترتيب
البيت من الداخل..؟ وكم ستكون المبادرات طيبة وناجحة بمشاركة الآخر فالدول
والمؤسسات المحترمة لا تطلق مبادراتها عبثاً وجزافاً .. فكم واحد شاركك بهذه
المبادرة من الحزب ؟ وهل للمجلس العتيد علم بها ..؟
15 آب 2015 
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…