العمال الكوردستاني: الممارسات والعبث بمسار التاريخ

 د. خالد حسين ــ جامعة زاخو

ممارسات حزب العمال
الكوردستاني(تركيا)  وبنسخه المختلفة في كلٍّ من سوريا وإيران؛ وكذلك ممارسات
مؤيّديه في إقليم كوردستان ــ العراق؛ هذه الممارسات قديماً وحديثاً تدفع بالمتأمّل
إلى استنتاجات صلبةٍ وقويةٍ يمكن بكثيرٍ من الاطمئنان تكثيفها بهذا المسار أو هذه
الانتقالة: من الوهم إلى الحقيقة؛ وربما سياق التَّعبير يلتفُّ بالغموض على هذه
الانعطافة التي تقود استراتيجية هذا الحزب في جملة الفضاءات التي ينشط فيها؛ حيث
الممارسات الواقعية تدحض جملة الكتابات والخطابات التي لايملُّ منظرو الحزب من
إنتاجها والتلذُّذ برسوخ المشروع القومي سابقاً والمشروع الديمقراطي الموهوم راهناً
متجسداً في منطوق مصطلحٍ هزليٍّ: الأمة الديمقراطية! .
  إن الانتقالة المزعومة التي أثبتناها؛ لاتعكس مساراً منطقياً لحركة الفكر التي
يتبعها حزبُ العمال؛ بقدر ما تكشف عن المراوغة التي يمارسها؛ وحتى لا يستمر الغموض
 متلاعباً بما رصدناه؛ يمكن توسيع الفضاء السيميائي للعبارة؛ لتكتسب وضوحاً أكثر
وترصدُ البنية العميقة لماهية التّفكير لدى منظّري حزب العمال؛ فالممارسات الواقعية
تفضح انتقالة الرؤية من: وهم المطالبة بالدولة القومية (ولاسيما في بدايات التأسيس)
إلى وقائع فعلية متمثلةً بحقيقةِ رُشيماتٍ مذهبيةٍ ــ دينيةٍ لاــ تاريخية وبوصفها
الرؤية الاستراتجية ـ الواقعية التي تحرّك خرائط الممارسات السياسية والعسكرية،
وتتحكَّم بها لدى بعض القيادات الأكثر شراسةً وسيطرةً في الحزب أو في كثير من مناحي
هذه السياسات التي ينتهجها هذا الحزب على الأقل في هذه الفترة الراهنة. 
وفي هذا
الصّدد يمكننا التموْضعُ عند قولةٍ لأحد قادة حزب العمال الكوردستاني مصطفى قره صو؛
وهي بلا ريب قولةٌ لاتنفكُّ تعكس الممارسات اليومية واقعاً ملموساً لهذا التنظيم ذي
الطبيعة الماركسية ــ الراديكالية؛ يقول:(… وعلى الأكراد العلويين أن يدافعوا عن
هويتهم الكردية والعلوية…) وما يثير الاستغراب أن التنظيم مازال يتبنّى ــ أو
يدّعي ــ الإيديولوجية الماركسية رؤيةً لقراءة الواقع،
 وتحديد المصالح
والاصطفاف مع الحلفاء انطلاقاً منها؛ الأمر الذي يجعل قارىء تصريح مصطفى قره صو في
حيرةٍ من أمره؛ إذ كيف يمكن للمرء أن يكون ماركسياً وفي الوقت ذاته يدعو إلى ترسيخ
رُشيماتِ مذهبٍ دينيٍّ لدى كتلة من الكتل البشرية المشكّلة للكينونة الكوردية؛
ليتنفس الخطابُ ــ خطاب صو بالتأكيد ــ  جرعة هائلة من ميتافيزيقا تصورية لاوظيفة
لها سوى تأبيد الانفصال والتباعد والتناحر والتقوقع في إغلاق الفضاء التواصلي بين
الكورد أنفسهم؛ فمن شأن هذا الخطاب الطائفي جملةً وتفصيلاً أن يؤسِّس للخلاف وليس
الاختلاف، للفرقة وليس للتواصل؛ ومن ثم الدفع بالمستقبل ــ ربما سيأتي يوماً ما ــ 
للانفتاح على المشكلات الطائفية الكارثية ذاتها بين الكورد التي  تعاني منها راهناً
بلدان عربية مثل: سوريا والعراق ولبنان واليمن …إلخ.
 ويمكن لنا أن نستدرك
لنقول عطفاً إلى ماتقدم: إن النضالات الكوردية عبر التاريخ اتسمت بطابعها القومي
البحت مع أنَّ الأكثرية (السنية)  الكوردية هي التي كانت تلعب دوراً محورياً فيها؛
بل إن الثورات الكوردية نجحت في استمالة المكوِّنات القومية الأخرى في المشاركة
بهذه الثورات؛ فالثورات الكوردية كانت تبحثُ عن ترسيخ الكينونة القومية للكورد،
وليس تأبيد الهويات الطائفية البائسة التي يتيح لها راهناً بعض عناصر حزب العمال
بالاندفاع الأهوج بل النضال في سبيل ترسيخها على حساب الكينونة القومية للكورد. 
هل هذا المطلب ــ ترسيخ الهوية العلوية ــ الذي يتفجّر في قولة صو انبثقت
بالانفصال عن الرؤية الاستراتيجية لحزب العمال الكوردستاني أم أن الأمر أعمق من ذلك
بكثير؟ ربما لن نحتاج إلى جهد كبير في الإشارة  إلى أن الكثير من قادة حزب العمال
الكوردستاني ينتمون إلى الكورد العلويين؛ حيث  يؤثِّرون في رسم  سياسات الحزب؛ ومن
الأهمية بمكان الإشارة أيضاً  وفي هذا السياق إلى العلويين ــ الكورد (الكثير منهم
لا يعترفون بانتمائهم  بصراحة عاريةٍ ودون لبس ـ ينظر حول ذلك كتابات هوشنك أوسي
ورستم محمود) أسوةً بالشيعة ( باستثناء  بعض النخب المثقفة منهم) في العراق وإيران
ودول الخليج و….إلخ اصطفوا مع طاغية دمشق في تدميره للحواضر السورية وتجفيف
الحياة فيها؛ انطلاقاً من وحدة الرُّشيمات المذهبية. 
 هل يمكننا الآن المضيُّ
قدماً نحو نزع الغرابة عن ممارسات حزب العمال الكوردستاني في سوريا وانتفاضة مهاباد
راهناً وكردستان ــ العراق سابقاً عبر خوض حرب ضروس مع الحزب الديمقراطي
الكوردستاني في التسعينيات؟ 
  بمقاربة ممارسات هذا التنظيم وتأويلها لا يخطئ
المتابع في رسم إشارات استفهام إزاء مواقفه وحروبه على الساحة الكوردية؛ فهو غالباً
ما يغلّف أهدافه العميقة بقماشة ثخينة من الشعارات القوموية وبعض المصطلحات التي
تدفع بالمرء إلى التقيء؛ فمع الحراك السوري (2011ــ    ) شارك الكورد السوريون
بكثافة  متوقعة في الحراك؛ حيث عانوا من التمييز على صعد كثيرة؛  ليرتفع الشعور
الوطنيُّ إلى أعلى مدياته حين اتفقت المدن السورية على تسمية إحدى الجُمع بالكلمة
ذات الدلالة الأعمق لدى الكورد: (الحرية)Azadi؛ هذا التنادي فعلياً بين المدن
السورية الثائرة أرعب النظام؛ وهنا كان لابدَّ من استثمار الورقة القديمة ــ
الجديدة( حزب العمال الكوردستاني في نسخته السورية: حزب الاتحاد الديمقراطي) وهذا
ما كان متوقعاً لتحييد الكورد عبر محاصرتهم بمسلحي ppkواعتقال أعضاء التنسيقات
الكوردية؛ وهكذا في الوقت الذي بدأ هؤلاء بمضايقة التنسيقات الكوردية ــ السورية
أوقفت قيادة النسخة الإيرانية من الحزب ذاته (بيجاك) العمليات العسكرية في كوردستان
إيران والانتقال إلى الأراضي السورية؛ لينبثق تحالف ببنيةٍ طائفية واضحة: النظام
السوري، إيران، حزب العمال الكوردستاني وحزب الله ليجري محاصرة الحراك الشعبي
السوري، فينتقل تحت الضغط العسكري للنظام إلى حراك عسكري؛ ويختلط الحابل بالنابل
وهذا ما كان يبحث عنه النظام الذي هدَّد غير مرة بأنه سيشعل الشرق الأوسط برمته
بالحروب ــ قاصداً المواجهات الطائفية بين المكونات المجتمعية.
ينبغي هنا توضيح
العلاقة بين النظام السوري وحزب العمال الكوردستاني فهي لاتستند ــ فحسب ــ إلى
مصالح وقتية وإنما ينبغي قراءتها استناداً إلى فترة الثمانينات حيث أوجلان كان يقيم
في سوريا (معسكرات التدريب) أولا.ً وثانياً إلى قوة اللوبي العلوي ــ ولاسيما في
هذه الفترة ــ في الحزب الذي وقف بقوةٍ إلى جانب النظام عبر تحييد الكورد السوريين
عن المشاركة الفعلية في الحراك، والزَّجِّ بهم في مواجهات مع تنظيمات إرهابية. 
 وهنا يمكن أن نتساءل عن النّتائج المترتّبة عن التحالف بين النظام
والكوردستاني متمثلّاً بحزب الاتحاد الديمقراطي: ب ي د؟  
 لا يخفى على المتابع
ملاحظة تفريغ المناطق الكوردية من ساكنيها عبر هجرة الآلاف إلى إقليم كوردستان
وتركيا وأوروبا؛ ثم الزّجِّ بالشّباب الكوردي في مواجهات اختلقها النظام ذاته،
ومهّد لها مع تنظيمات إرهابية من صناعة النظام نفسه؛ لإحداث شروخ عميقة بين
المكوّنات السكانية وهذا ما حدث؛ علاوة  على تدمير مدينة كوباني على نحو شبه كامل
إثر مواجهات مع تنظيم داعش الإرهابي؛ وتخلّي النظام عن حليفه  في هذه المواجهة 
التي لولا التحالف الدولي بقيادة أمريكا ــ التي لاينفك أوجلان على عادة ملالي
طهران وطاغية دمشق وناطور خامنئي على المتوسط ــ صليها بنعوت الامبريالية والتوسع؛
أقول لولا تدخل طيران التحالف لكانت النتائج وخيمة.     
يتساءل هوشنك أوسي ــ
الباحث في شؤون حزب العمال الكوردستاني ــ: وهل للعلويين الموجودين ضمن الكوردستاني
ذلك التأثير الوازن والفاعل لتحديد خياراته ومواقفه العمليّة من الثورة السوريّة
ونظام الأسد؟ حتى هذه اللحظة فإن تنظيم الكردستاني ppk لا عملَ لديه سوى تقوية
التّعاضُد بينه وبين نظام الأسد في محاولةٍ للتلاعب بمسار التاريخ؛ كما لا يكفُّ عن
التدخل في شؤون إقليم كوردستان ــ العراق (تصريح دوران كالكان مثلاً) وعبر تجديد
العلاقة مع عجائز السليمانية، ولاسيما مع الشخصيات المناهضة للحزب الديمقراطي
الكردستاني والمتواطئة مع طهران من أمثال السيدة هيرو إبراهيم وملا بختيار. 
إنّ
وفاءَ هذا التنظيم الراديكالي  لعمق ثقافي غائر لا ــ تاريخي وخلط الأوراق تضرب
عميقاً في جذور بعض أعضائه حيث تبدَّت على نحو أكثر وضوحاً في الصمت الذي يلفه إزاء
الانتفاضة الشعبية في مهاباد وذلك بالحفاظ على تحالف غير معلن – لكنه متماسك- مع
ملالي طهران؛ فثمّة أخبارٌ تناقلتها وكالات الأنباء أن حزب الاتحاد الديمقراطي pyd
فرّق مظاهرات مؤيدة لكورد مهاباد في مناطق الجزيرة؛ مع الإشارة إلى امتعاض حامض علا
وجوه المؤيدين لطهران في كلٍّ من قنديل والسليمانية!. وأخيراً:
 هل سيستيقظ بعض
العقلاء في هذا الحزب، ويستثمرون طاقاته الهائلة في خدمة القضايا الكوردية بدلاً من
العبث بمسار التاريخ؟. 

المصدر: جريدة كوردستان


شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…