ارتفاع منسوب العنف لدى حزب (PKK)

فرمان بونجق

إذا كانت الشمولية السياسية
تجتهد على مسار صهر كافة الشرائح والطبقات المجتمعية في ماكينة الفكر عبر آليات
تنظيمية بادئاً ، وسياسية تالياً ، باعتبار أن أصغر جزء في المجتمع ــ حتى ولو كان
فرداً ــ ينبغي أن يؤدي دوراً منوطاً به في هذه الآلة ، ولكن الأسوأ يأتي مع تحالف
عدة شموليات تتمترس في محيط جغرافي ضيق ، تنسّق فيما بينها على كافة المستويات ،
فتنتج عنفاً مبالغاً فيه ، يستهدف كافة التيارات التي لا تتوافق معها ، عبر آليات
الخطف والاعتقال والاغتيال والتهجير والارهاب ، وسواها ..  في محاولات يائسة لدرء
الأخطار المحدقة بها ، عبر التصدي لتقدم حركة التاريخ ، والتهرب من الاستحقاقات
التي تهدد وجودها بالزوال ، كنتاج وتحصيل حاصل لسياسات القمع اللامحدودة التي
تمارسها هذه الشموليات بالضد من المجتمعات البشرية ، التي تتشارك معها ذات الحيّز
الجغرافي ، ولكنها تختلف معها وتناقضها في الرؤى والقناعات .
 وبالتالي وكنتيجة حتمية ، فإن هذه التجمعات ستصطدم معها وتنتصر عليها . مع الإشارة
إلى أن تاريخ البشرية قد قطع شوطاً كبيراً للتخلص من هكذا أنظمة ، وهو يحث الخُطا
باتجاه تكريس تجارب أرقى من الديمقراطية ، كوسيلة مثلى لتحقيق العدالة والرفاهية
للجنس البشري .
شاءت الأقدار ، أن تكون مجتمعات الشرق الأوسط محكمة الإغلاق في
وجه أية تجربة ديمقراطية ، باستثناء بعض الحالات هنا وهناك ، وفي أوقات محددة
تاريخياً ، مما سهّل نموَّ دكتاتوريات شمولية ، عن طريق اختراق المؤسسات العسكرية ،
والاستيلاء على السلطة بترتيب الانقلابات المسلحة ، وأحياناً بواسطة التسلّق المسلح
، عبر انتهاز الفرص ، كما حدث مع معظم الأنظمة الشمولية التي حكمت الدول العربية ،
والتي روّجت لتلك الانقلابات بأنها ثورات . وزعمت بانها أنظمة داعمة لحركات التحرر
، وأنها جزء من النضال العالمي لمواجهة الامبريالية ، وما إلى ذلك … فاستطاعت
احتضان مجموعات من الحالمين ، وتم تدجينهم ثم برمجتهم ، ليتم إدخالهم بعد ذلك إلى
أتون المعمعة .
 من هنا ، وهكذا وجد حزب العمال الكوردستاني نفسه جزءاً من هذه
اللعبة ، خاصّةً وأنّه تأسّس وترعرع في كنف هذه الشموليات ” إيران الخميني ــ سوريا
الأسد ــ ليبيا القذافي ” ، وبات انفكاكه عنها مستحيلاً ، وصار جزءاً من هذه
الماكينة القاتلة ، تحت يافطة ” تحرير وتوحيد كوردستان ” ، وكان هذا الشعار الفضفاض
بمثاية  ذر الرماد في العيون ، واستغلال المشاعر القومية لدى فئات واسعة من أبناء
الأمة الكوردية ، ومابَرِحَ يروّج لذلك حتى اصطدم بلحظة الحقيقة المميتة ، حين
خُيّر بين بَيْنين ، إما الانحياز لقوى الثورة ، أو الاصطفاف إلى جانب القوى
المضادة ، وبالتالي الوقوف في وجه تطلعات الجماهير الكوردية ، التي واتَتْها الفرصة
التاريخية في إحقاق جزء من حقوقها على أرضها التاريخية .
لم يألو هذا الحزب
جهداً في ضرب القاعدة الثورية الكوردية ، قبل الانتقال إلى ضرب الحركة السياسية
الكوردية ، بغية تصفيتها ، بعد أن لجأ إلى شراء بعض الذمم ، متّكِئاً في ذلك على
الهبات السخيّة التي قدمه لها محور طهران ــ دمشق ، من دعم مالي وتسليحي واستخباري
، ناهيك عن دمج كافة عملائه في جسم الحزب ، وبذا تمكن المحور آنف الذكر من خلق
وتطوير الحالة العدائية لكافة القوى التوّاقة للانعتاق والتحرر من سطوة الشمولية . 
في التطورات الدراماتيكية اللاحقة ، ومن بوابة إثبات الولاء المطلق للقوى
الشمولية الإقليمية ، نقل حزب العمال الكوردستاني نشاطاته العدائية إلى فضاءات
التجمعات الكوردية ، أينما وُجِدتْ ، فكانت السِّمة البارزة للمرحلة ، الاعتداء على
النشطاء ، والاعلاميين ، ونشطاء حقوق الإنسان ، وخطف وتجنيد الأطفال ، والتهرب من
استحقاقات المرحلة كوردستانياً ، ومؤخراً لجأت ميليشيات الحزب ، وبشكل سافر ، إلى
الاعتداء على بيشمركة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في شرق كوردستان ، في الوقت
الذي كان لزاماً على قيادة هذه الميليشيا أن تؤازر انتفاضة الشعب الكوردي في شرق
كوردستان . ناهيك عن تحركاتها المشبوهة في شنكال وغيرها ، بغية تقزيم الانتصارات
المهمّة لبشمركة كوردستان في حربها المفتوحة ضد قوى الشر والطغيان ، والتي يُمثل
رأس حربتها تنظيم داعش الارهابي .
ومن خلال مقاربة بسيطة بين سلوك نظام بشار
الأسد القاتل ضد الشعبي السوري ، والقائم على مقولة ” إمّا أن أحكمكم أو أقتلكم ” ،
نجد أن ذات السلوك يتكرر في كوردستان سوريا ، بواسطة سلطة الأمر الواقع العنفية ،
المتمثلة في حزب الاتحاد الديمقراطي ، أحد أذرع حزب العمال الكوردستاني ، والتي
تقوم استراتيجيته على ذات المقولة ” إمّا أن أحكمكم أو أقتلكم أو أشرّدكم
“.     

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…