ماذا فعل المربع الأمني بغربي كردستان؟.. الجزء الثاني عشر

د. محمود
عباس
 
 
 

لم تتعدَ زيارات المرحوم جلادت بدرخان إلى عفرين أو سري كانيه (راس العين)
أو عاموده أو دوكر أو ديريكا حمكو أو بعض عشائر تلك المناطق، كعشائر منطقة عفرين
أو عاموده أو الشيتية وغيرهم، ثلاث أو بالأكثر خمس جولات ميدانية سريعة، لم يسكن
بينهم، ويعمل على خلق تآلف بين العشائر الكردية، أو محاولة تشكيل قوة عسكرية، أو
تثقيف رؤساء العشائر الأميين، قوميا، وإنهاض الوعي القومي، على مبدأ تكوين كيان
كردي، وإخراجهم من الحيز العشائري. لقد كان له نفوذ واحترام كبيرين، وكان ينظر
إليه كأمير كردي. 

أتذكر في هذا الأمر، حادثة ترسخت في ذاكرتي، ذكرها لي والدي، المرحوم محمد
عباس، من بين الأحاديث العديدة، عندما كان يتعالج في مشفى الشامي في دمشق: أن
الأمير جلادت بدرخان زار ديوان دوكر ثلاث مرات ما بين 1936-1939م وفي كل زيارة
كانت القرية مع القرى المجاورة تهب على قدميها عن بكرة أبيها، وفي المرة الأخيرة
كان عم الوالد، سليمان عباس مريضا جدا، المتوفي في عام 1940م؛ حيث لم يكن بوسعه
الخروج من الدار إلا ما ندر، إلى الديوان، وهذه كانت تعد من كبريات القضايا حينها،
غياب سليمان عباس عن جلسات الديوان. في ربيع عام 1939م قال الوالد: فجأة حدثت حركة
ضخمة أمام الديوان القائم على قمة تل دوكر، خرجتُ على أثرها من غرفة عمي، لأرى
سيارتين في أسفل التل، شاهدت الأمير ينزل وبرفقة بعض رؤساء العشائر، عرفناه عن
بُعد بلباسه المدني وهيأته، استقبلناهم وبشكل خاص الأمير، أنا وأبناء أعمامي شلال
وغالب وعمي شيخموس وغيرهم من العائلة ووجهاء القرية، بحفاوة يليق بأمير، فلم يتمكن
عمي سليمان من الخروج لاستقباله، فدخل الأمير عليه إلى الدار وكلنا خلفه، وحدث
حوار ما بينهما، لم نسمعه. سألت الوالد كيف كنتم تنظرون إلى الأمير وإلى شخصيته
وقدومه وما مدى التقدير له، وهل كان يقارن بزيارة رؤساء العشائر الأخرى الذين
كانوا يزورون عمه المريض، قال: لا، كان حفاوة ملك، فكل القرية كانت تتحرك،
للاهتمام به. غايتي من ذكر هذه الحادثة، هو مدى نفوذ الأمير على العشائر واحترامهم
له، وقدرته على لمّ شملهم، فلو سخرها واستخدمها كما ينبغي، لاستطاع بلوغ غايته،
ولتمكن من التأثير على الفرنسيين، ولدفعهم على تشكيل كيان كردي. للأسف لا نجد
محاولة تذكر من قبل الأمير لإقناعهم وتنبيههم بأن القوة الكردية في المنطقة لديها
الإمكانيات على إدارة ذاتها. غيابه عن المنطقة والتمركز في دمشق، يطرح تساؤلين:
عدم تحمل العيش في البيئة الفلاحية القاسية، وعدم التخلي عن رفاهية المدينة حيث
الأبعاد الحضارية، أو أنه لم يكن يقدّر إمكانياته الذاتية، ربما لم يكن مقتنعا
بتشكيل تلك القوة أو لمّ العشائر حوله، ونستبعد هنا السبب الآخر حيث فرض الفرنسيون
عليه الإقامة الجبرية وحدّدوا من تحركاته، وكثيرا ما فكرت في هذا الأمر، من خلال
بقائه الدائم في دمشق وحصوله على قرية هناك وليست في المنطقة الكردية، في حين بقيت
يد فرنسا متروكة لتتصرف بالعائلات الكردية وزعماء العشائر كما تشاء، كما وبقاء
أخيه كاميران في بيروت ومن ثم الانتقال إلى فرنسا، يطرح بذاته أسئلة حول هذه الإقامات
البعيدة عن كردستان، حيث الهم الشاغل دائما لأفكارهم كان كردستان من أقصاها إلى
أقصاها. علما أن أخاه الأمير كاميران بدرخان لم يزر المنطقة كليا بعد مؤتمر خويبون
الأول في دوكر، أتذكر أنني سألت الوالد فيما إذا كان قد زارهم الأمير كاميران مع
جلادت قال: بأنه لم يرَ كاميران كليا. لا شك أن مثال الأميرين (بشكل تقريبي) ينطبق
على بعض الرؤساء المثقفين للعشائر الكردية في المنطقة أو الشبه المثقفين حينها،
حيث لم يتخطوا حيز الوعي العشائري، رغم أن البعض كان على دراية عالية بالسياسة،
وكما ذكرنا سابقا أن منهم من كانوا نوابا.
 

هذا الغياب عن الساحة النضالية، سمح في زيادة نفوذ الأشخاص المؤيدين لمخططات الفرنسيين
وتهميشهم للكرد وإلحاقهم بسوريا. أما بروز الشريحة القومية شبه المثقفة، والتي لم
تكن لها نفوذ زعماء العشائر، ووعيها السياسي كان دون المستوى، فأحدثت نشاطاتها
آثاراً سلبية وسببت أخطاء جراء التضاربات بينهم وبين رؤساء العشائر، ومشايخ
التكيات الدينية، بعكس ما كان متوقعا؛ لو كانت العلاقات تجري تحت رعاية الأميرين
لما حصلت تلك السلبيات والأخطاء. كما واستفاد الفرنسيون من هذا الفراغ في المنطقة
الكردية، ومن شريحة من المسيحيين الكرد الذين أزداد نفوذهم اقتصاديا، ولكن شعورهم
بالانتماء القومي الكردي كان معدما، ويرجح ذلك إلى الإبادة الجماعية التي حلت بهم
على يد العثمانيين فاتهموا هم بدورهم الكرد بالشراكة مع العثمانيين في هذه
الإبادة؛ في حين دافع الكرد عنهم وحاربوا العثمانيين، على سبيل المثال لا الحصر
سليمان عباس حارب الترك دفاعا عن أولئك المسيحيين، ولاحقا أرسلت رئاسة الكنائس
العالمية رسالة شكر وتقدير لآل عباس على دفاعهم ذاك.

 

 بعد نيل فرنسا مراميها من إحياء
خويبون تعمدت

يتبع… 
 
 
د. محمود
عباس

الولايات
المتحدة الأمريكية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…