أن الحالة العربية في سوريا لها خصوصية محددة لمعاناتها من القمع المستديم سابقا ولاحقا , رغم انه لا يبرر عدم الإفادة من أية عملية مجتمعية لتحسين مواقعها ونشر خطابها وتشكيل كاريزما جماهيرية لأعضائها , لكن الحالة الكوردية في سوريا , تختلف من حيث التجربة والتكاتف الشعبي , خاصة وان الانتخابات كعملية مجتمعية هي الأولى بعد انتفاضة آذار وما أوجدته من قيم ومعان نضالية وانقلاب في الممارسة والتجسيد المجتمعي , إلا أن الأطر الكلاسيكية الكوردية انطوت تحت عباءة الضعف الدمشقي لتسوغ خروجها من المواجهة , وبالعكس لتنفيذ بعض الإضافات المطلوبة في خضم اللعبة الرسمية ومحاولة ترتيبها للمجتمع بما يتوافق مع ديمومة احتكارها للبشر والسماء والهواء .
حقيقة موقف القوى الكوردية الحزبية , ورغم المسوغات التي وردت في التصريح أو البيان الفردي أو الجمعي لهذا الإطار أو ذاك , لكني أجد فيه دلالة سياسية في اتجاهين , الأولى التناغم مع إعلان دمشق في الخروج من اللعبة السياسية واثبات أن لا بديل علماني , مدني للنظام ؟ وأنهم اشد حرصا على المادة الثامنة من الاستبداد نفسه ؟ .
والثاني موجه ضد الشعب الكوردي وشريحة الموظفين والعمال لدى الدولة فيه , حيث أن الإستراتيجية البعثية بعد انتفاضة آذار تقوم على إبعاد الكورد بأي ذريعة عن تسلم الوظائف وفصل ما يمكن فصله , ولعل قرار المقاطعة الانترنيتي المتخذ , يخلق ليس فقط ذريعة , بل يدفع بالمجتمع
الكوردي وشريحته الموظفة إلى فعل لا تستطيع تحمل نتائجه , وسينعكس وبالا على مجمل الوضع القومي العام , ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن حيال هذه الدلالة , هو القرار الخاطئ الذي اتخذته مجموعة الأحزاب الكوردية في ذكرى أربعينية شهداء آذار , عندما اصدر المجموع الحزبي قرار بإغلاق المحال التجارية الكوردية , وهو القرار الذي لم ينفذ حتى من الأعضاء المنتسبين لتلك الأحزاب , ليس هذا فحسب , بل جعل أصحاب المحال التجارية الكوردية عرضة سهلة لابتزاز الأجهزة الأمنية واستنزافهم ماديا ؟.
أن التسلسل الذي اتخذ فيه قرار المقاطعة والتفرد فيه , يجعل من نافل القول مناقشة الجماعية في اتخاذ الموقف السياسي أو توحيده , فهناك أطراف سياسية تسعى دائما لإسقاط أي فعل نضالي , مجتمعي , ساحبة معها كل المترددين ومعارضي البيانات والباحثين عن الراحة والسكينة في أطرهم المترهلة , فكريا وسياسيا وفعلا نضاليا , وما التنطح المبكر لفرض المقاطعة , سوى تجسيد لثقافة الخنوع والاستسلام والعطالة , ومهما حاول البعض التمايز فالفعل واحد والهدف واحد وأيضا القائد واحد ؟.
ورغم احترامنا لقرار المقاطعة النظري , لكن ثمة أسئلة تطرح نفسها وتحتاج إلى عقلانية في الفهم والتحليل والتفسير؟
لماذا اتخذ التحالف وعبر مجلسه العام قرار المقاطعة ؟ لماذا الجبهة اتخذت قرار المقاطعة , وبعد سلسلة زيارات ودية ؟
لماذا لم تُفعل الهيئة العليا للتحالف والجبهة وتتخذ القرار بشكل مشترك ؟ لماذا ينسق التحالف مع الجبهة حتى في درجات الحرارة , وينسى حليفه عندما يتعلق الأمر بمفهوم قيادة الحركة وضرورة إخضاعها لمنطق التفرد ؟ ولا يتذكره إلا بعد إصدار قرار المقاطعة ؟ أين غابت الرؤية المشتركة للتحالف والجبهة ؟
لماذا انفرد حزب آزادي بقرار المقاطعة ؟ وأصدره قبل اجتماع لجنة التنسيق , رغم انه هو من طلب تأجيل الاجتماع ولم ينتظر انعقاده ؟ لماذا يصدر كل طرف قرارا بمفرده في مسالة مهمة كهذه , رغم ادعاء البعض بأنهم يسعون إلى وحدة الموقف السياسي الكوردي ؟ وما الحاجة إلى إصدار بيان مشترك يؤكد المقاطعة ؟ وهل تحتاج المقاطعة إلى تأكيد جماعي بعد تأكيده الانفرادي ؟ وهل يحتاج التوكيد إلى توكيد ؟ أم إن تأكيد ما هو مؤكد يحمل دلالة النفي أولا , ورسائل مختلفة أخرى ثانيا .
كل هذه الاستفهامات تحمل دلالات سياسية , ترى هل هي فعلا مقاطعة للانتخابات البعثية , أم هي تأكيد الالتزام بعدم المواجهة وتثبيت فعل الاستقالة من المجتمع ؟ من المفيد إشغال العقل والتفكير ليصل كل مواطن يمتلك عقلا إلى الهدف والمراد من فعل العطالة والاستقالة هذا .
* العدد 10 نيسان2007 من جريدة المستقبل






