التعريف بالكُرد في الحالات الطارئة

 ابراهيم محمود


عُرِض علي من قبل أحد الأخوة المسئولين عن  قناة ” وار- الجانب الإذاعي، القسم المخصَّص بالعربي ” في دهوك، أن أكتب مجموعة حلقات مكمّلة لبعضها بعضاً تحت عنوان جامع ولافت ” رسالة كُردستان إلى العالم “، والمفترَض بثها في مطلع العام القادم، وهو على الأبواب، وبشكل يومي، ومدة الموضوع/ الحلقة الواحدة ” خمس دقائق “، وفي ثلاثين موضوعاً/ حلقة، وتم التسجيل بصوتي مباشرة، فكان ما كان.
كان المشدَّد عليه هو وضع الكُرد، وإقليم راهناً، في مواجهة التحديات، وخصوصاً الإرهاب الداعشي ومغذياته وتداعياته، لقد استأثرت الفكرةُ بمشاعري وقراءاتي المختلفة في هذا الإطار، لأن ثمة تحدياً آخر، هو: كيف يمكن أن تسلسل أفكارك وهي واحدة، من جهة، وكيف تتمكن قدر المستطاع من إيصال صوتك الذي يتجاوز حدود شخصيتك، ويتم تفعيله، وهو الموجَّه إلى الصديق والخصم معاً، من جهة ثانية، وأي الموضوعات تكون أكثر جدارة بالتناول والتكثيف بالمقابل، ولتكون جامعة بين ما هو ثقافي وإعلامي من جهة ثالثة ؟
ترددت كثيراً في الكتابة وفي سلسلة الأفكار الجزئية، والأمثلة الحسية المحققة لشرط الإصغاء أكثر، حيث إن المدة المحدودة هي بحد ذاتها امتحان للذات وللثقافة الشخصية والتي – عند طرح ثمرة لها- تمس مكانة شعب كامل تحت حصارات شتى .
مما لا شك فيه، أن لكل شعب حضوراً معيناً في التاريخ والجغرافيا، وليس من شعب إلا ويعيش تحديات تتهدده في وجوده، وحتى  درجة محوه من الوجود هذا، أو حرمانه من التمتع بالحرية، أي تكون هناك أوقات محسوبة بدقة، تلك التي تسمى بـ” الحالات الطارئة “، وهي التي تخرج المنطقة المعينة: مكاناً وشعباً بالكامل، من وضعية الاستقرار إلى عدمه أو نقيضه، كون الخطر الخارجي، وتبعاً لعنفه، يمثل إحدى القوى الأكثر تدميراً محتملاً للمنطقة الجغرافية المعلومة وأهلها: الشعب، البلد، الدولة…الخ.
لكن ماذا عن الكرد، حتى من جهة التركيب ؟ إن إحدى العلامات الفارقة والأكثر بروزاً، تعلِمنا، كما أرى، بأن كثرة تداول مفردة” الأكراد” في مجمل الأدبيات التاريخية والسياسية حتى القريبة من الشعب الكردي، لها علاقة مباشرة بالوضع السياسي له، أي حيث ينعدم، عملياً، وجود جغرافيا فعلية، وضمن كيان دولتي موحد، هي كردستان، وكأن ” الكرد ” التسمية الأكثر إثارة للخلاف في أروقة السياسيين وواضعي الخرائط الأمنية الجيوبوليتيكية وبالنسبة للشعوب والأمم، لمّا يزالوا في انتظار المكان ليتناسبوا معه: كرداً، من كردستان، وإن كانت مفردة كردستان ترجعنا إلى أكثر من ثمانية قرون في التسمية، سوى أن المأثور السياسي العملي له قانونه !
بشأن الكرد، بالكاد، يمكن الحديث عن وضعية عدم استقرار، أو انتفاء سوية جغرافية، حتى بالمعنى الأكثر محدودية ” جهة الممالك والأمم القديم، منذ أيام الميديين والحوريين والميتانيين “، وكيفية التعريف بهم من هذا المنطور، وتالياً ” في الحديث عن الإمارات الكردية: البدليسية، السورانية، البوتانية…الخ ” والدولة الأيوبية لها اعتبار جغرافي وسياسي شديد الخصوصية هنا مقابل مفهوم المكان وطبيعية إدارته قبل كل ذلك، في محيط جغرافي مضطرب وأي اضطراب، وحديثاً، وبدءاً، من اتفاقية” سايكس- بيكو: 1916 “، كان الانقسام الأكثر تصديعاً وترويعاً بالمعنى السياسي والاجتماعي والأمني والثقافي والنفسي للكرد في عمومهم: تقسم كردستان الرباعي المشهور!
يعني ذلك، أن الكرد في أغلب عهودهم عاشوا ولازالوا يعيشون في ظل حالات الطوارىء، أي يعيشون حروباً مختلفة في آن واحد، وفي شتى المجالات، خلاف غالبية الشعوب أو الجماعات البشرية أو اثنياتها التي يمكن تسميتها من باب المقارنة واقعاً وكتابة، وهذا يقتضي مراعاة هذه الجوانب، وفي الوقت ذاته، يكون محتوى الفكرة في مختلف حلقاتها نتاج هذا التشبث بالمكان والحياة، بالقدرة الفاعلة في جعل الحياة أجمل، والإسهام فيها، وإبراز الروح الأخرى، روح الكردي في التعامل مع الآخر: الخصم والعدو والصديق، من منظور معايشة الكردي وعلاقته بالاخرين جيرة اجتماعية وحدودية وأبعد من ذلك، في الحياة اليومية وعير التعاطي الثقافي وغيره، كما في هذه العناوين التي تسلسلت( في ضيافة كُردستان- ماذا يعني أن ترهِب الآخرين ؟- إقليم كردستان: رسالة في السلام- نجمتي بين النجوم- أحمد خاني يرحّب بكم- جبال كردستان- ساعة الزمن الكردية- قبر الكردي- لو تُتَّبع حكمة الأديان- الغزاة الذين لا يفلحون- لا حوار مع المعتدي- الخطأ الذي لا يُغتفر- أما مسئول إذاً أنا موجود- العدل أساس الملْك- نكون، أو لا نكون، تلك هي المسألة- خاب سعي الجناة- أمة الألف ثورة والألف حسرة- حكمة العصفورة الأم …الخ)..
إنها لتجربة مختلفة عما أثرت في كتابات سالفة: مقالات وكتباً، لأن ثمة محاولة المواءمة بين الكلمة والصوت، بين العبارة المقروءة والمترتب عليها نفسياً لدى المتلقي.. لكنها تجربة تفصح عن ضرورة تحتّم خوضها، تجاوباً مع التحدي المذكور، أي كيف يمكن للكردي أن يترجم أحاسيسه وفكرته، وبلغة الآخر بالذات، بخصوص السلام وهو محارَب، الأمان وهو مهدَّد، عن الحياة، وثمة من يبثُّ الموت من الجوار، عن المحبة، وثمة من ينفث الضغينة، عن العيش المشترك، وثمة أكثر من لغم حدودي وفي القرب منه ..؟
إنها تجربة تطرح نفسها لنقاش من نوع آخر، جامع بين الورق وخلافه، تجربة التعريف بالكردي، وهو قائم ومقيم في تاريخ تليد، وفي الجغرافيا الكردية رغم تشظيها بقوة دولية وإقليمية، وفي الثقافة رغم اختلاف أسماء الكردي وتنوع ألقابه وأدواره، ولكنها في المحصلة تجربة تنفتح على حيوات مؤثّرة للكردي الذي لا يكف عن طلب الحوار، ولزوم العيش المشترك، واعتباره الكردي الذي يعرّف بنفسه، وأن ليس من لزوم لشهادة تعريف تستوجب الإتيان بشاهدين، إن تحدثنا عما هو مأسوي كردي: شعباً وتاريخاً وجغرافيا ..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…