ولكن ماذا عن «المعارضة المعتدلة»

صلاح بدرالدين
  عندما اندلعت الانتفاضة الثورية السورية من أجل الحرية والكرامة والتغيير الديموقراطي وضد الدكتاتورية والاستبداد كضرورة وطنية موضوعية وحاجة ملحة في خضم موجات ربيع الثورات في المغرب والمشرق لم تكن تقسيمات ( الاعتدال والتطرف واليمين واليسار والديني والعلماني ) متداولة في أدبيات الانتفاضة بل كان القاسم المشترك بين كل الأطياف والمكونات والتيارات التي تعكس تعددية المجتمع السوري والمتضررة من المنظومة الأمنية الفاسدة هو شعار اسقاط النظام والتغيير وإعادة بناء سورية الجديدة على قاعدة الشعب السوري واحد.
 الانتفاضة الشبابية العفوية التي تحولت الى ثورة بعد استكمال بعض الشروط الأساسية في وقت مبكر من خلال التفاعل السلس بين الحراك الثوري العام الذي استند الى ناشطي التنسيقيات الشبابية في مختلف المحافظات والحضن الجماهيري الواسع في المدن والأرياف من جهة وبين الموجات المتتالية المغادرة لصفوف جيش النظام من ضباط وأفراد من الجهة الأخرى وخلال أقل من عام اكتمل عقد الثورة كالكتلة التاريخية الأهم في المشهد السوري .
  مثل جميع ثورات الربيع في المنطقة أصبحت الثورة السورية وهي لم تكتمل عامها الأول بعد هدفا لغزو جماعات الإسلام السياسي ورأس حربتها – الاخوان المسلمون – مستفيدة من عاملين محلي وخارجي : الأول هو الجغرافيا التركية في عهد حكومة حزب إسلامي أقرب الى حركات الاخوان والمال القطري خاصة والخليجي عامة المجير لانجاز فكرة – أسلمة وأخونة ثورات الربيع – والعامل الثاني مغطى بمظلة أمريكية – غربية على أساس أن البديل يكمن في – الإسلام المعتدل – كحل وسط وتحديدا في التجربة التركية كنموذج بذريعة ضعف القوى العلمانية الديموقراطية أمام صعود الفكر الديني وتنامي المنظمات المتطرفة الإرهابية في مختلف البلدان المسلمة .
 موقف إدارة أوباما والغرب عموما لم يكن واقعيا ولاأخلاقيا تجاه ثورات الربيع والثورة السورية على وجه التحديد بل كان خاطئا وشابه الضعف والتقصير وألحق الأذى البالغ بها وكأن تجربتا مصر وليبيا في الردة الاخوانية والجنوح نحو الإرهاب وضرب الثوار وتدمير علائم الدولة وبكل المعاناة الإنسانية لم تكونا كافتين لاعتراف الغرب بخطيئته في المراهنة على ( الإسلام السياسي المعتدل ! ) وكأن ممارسات اخوان سوريا اللاديموقراطية واستثمارهم كيانات المعارضة من مجلس وائتلاف لمصلحة آيديولوجيتهم وأجندتهم الحزبية بعد تسلطهم عليهما بقرار أمريكي – خليجي – تركي لم تكن كافية لدفعه الى مراجعة واقعية والاعتراف بخطيئته والاعتذار للشعب السوري وثواره .
 بدلا من كل ذلك ومنذ تشكيل التحالف الدولي – العربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة – داعش – من الجو في العراق أولا ثم سوريا تاليا نلحظ أن الأطراف الدولية وحلفائها المحليين وضعوا شعار الحرب على – داعش – بديلا عن المساهمة في اسقاط نظام الأسد ومحاسبته الذي قتل مئات الآلاف وسجن وشرد الملايين ودمر نصف البلاد وهو طعنة أخرى تسدد الى الشعب السوري كما يروجون ليل نهار مصطلح ( المعارضة المعتدلة ) من دون تعريف أو تحديد وهو بمثابة طعنة أخرى الى جسد الثورة السورية والقفز من فوقها وتجاهلها تمهيدا لايداعها في طي النسيان  .
  نحن لم نفهم بعد هل يعتبر التحالف الدولي – العربي شعار الثورة السورية الذي نال رضى غالبية السوريين باسقاط الاستبداد واجراء التغيير الديموقراطي وإعادة بناء الدولة بنظام تعددي تطرفا ؟ وهل يتجاوز بذلك الثورة ويخاطب – المعارضات – أو الجزء المعتدل منها وتحديدا الاخوان المسلمون بحسب سياسته العتيدة لأننا وانطلاقا من الواقع الموضوعي نرى فرقا واضحا بين كل من الثورة والمعارضات الأولى هي القاعدة والأساس من قوى وحراك شعبي وجيش حر ومناضلين ثوريين والثانية هي دخيلة خليطة من جماعات الإسلام السياسي وأعضاء إدارات السلطة وحزبها الحاكم ومتسلقين حديثي العهد بمعارضة النظام من قومويين ويسراويين فاتهم قطار الحداثة والتغييريجمعهم موقف التصالح مع النظام وليس تغييره .
  الدول الثلاث ( المعروفة ) المكلفة من التحالف ( وليس من الثوار ) بإيواء عناصر سورية ” معتدلة ” في معسكرات التدريب للتهيئة لمواجهة النظام وبالرغم من اعتباره كجزء من ( الخطة الخمسية !! الى ماشاء الله ) فان الاختيار سيستند الى معاييرها الخاصة بها التي لاتتوافق بالضرورة مع مصالح وتطلعات الثوار السوريين خاصة اذا علمنا أن أكثرية دول الخليج قررت صد الاخوان المسلمين واعتبارهم إرهابيين عندما شعرت بخطرهم في بلدانها في حين تتعامل مع ( إخواننا ) بل تساعدهم رغم خطورتهم على ثورتنا ومستقبل قضيتنا .
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…

صلاح بدرالدين الى الاعلامي المميز، والمثقف السياسي الصديق العزيز شفيق جانكير – بافي آيندة – اتذكر قبل عشرين عاما عندما قررت مواجهة المستحيل، باصرار منقطع النظير، على وضع اللبنات الاولى لموقع اعلامي مستقل وملتزم بالمسلمات القومية والوطنية، في الساحة الكردية السورية، التي كانت تشهد ظاهرة تكاثر الولادات القيصرية للتعبيرات الحزبية، وذروة صراعاتها، عشية ازدياد مخاطر الاختراقات الامنية في جسد الهياكل…

كفاح محمود لا يمكن فهم القصف المتكرر على إقليم كوردستان بوصفه مجرد رد فعل أمني أو ارتداد عابر لصراعات المنطقة؛ فهذه الهجمات، التي استهدفت خلال سنوات طويلة المطارات والفنادق وحقول النفط والغاز والبنى الحيوية، تكشف عن هدف أبعد من التخريب المباشر: كسر نموذج مختلف داخل العراق، فالإقليم لم يعد في نظر خصومه مجرد مساحة جغرافية، بل صار تجربة سياسية واقتصادية…

سليمان سليمان ملاحظة نقدية صريحة حول واقع الحركة الكوردية في روج آفاي كوردستان: هل تحولت كثرة الأحزاب إلى عائق أمام الإنجاز السياسي سؤال مؤلم ولكنه مشروع؟ لم تكن الحركة الكوردية في روج آفا كوردستان، في معظم مراحلها، على مستوى المسؤولية التاريخية التي كانت تفرضها تحديات القضية الكوردية. ويعود ذلك إلى أسباب متعددة، في مقدمتها طبيعة القيادات التي أدارت العمل الحزبي…