ليس دفاعاً عن البيشمركة ولكن الحق يقال

عبدالباقي طاهر 

البشمركة كمؤسسة قومية و كقوة عسكرية مشهود لها بالتنظيم والاخلاص على مر التاريخ , نجحت ليس فقط في الدفاع عن الشعب الكردي وحمايته من الانصهار والذوبان حتى في ظل أعتى الدكتاتوريات , وفي أحلك الظروف , بل ونجحت أيضاً في تحقيق مكاسب قومية على الأرض تمثلت في الفدرالية والاقليم الكردستاني . 
فالتاريخ النضالي المشرف والتضحيات الجسيمة التي قدمتها في سبيل الدفاع عن الشعب الكردي ووجوده القومي في مختلف مراحل التاريخ وفي أصعب الظروف خير شاهد على اخلاص وتفاني هذه المؤسسة العسكرية العريقة .
عندما نتحدث عن البشمركة  انما نتحدث عن رمز الأمة الكردية القائد التاريخي الملا مصطفى البارزاني الذي تشهد جبال كردستان ووديانها و أحجارها على كفاحه البطولي , فلم تبق صخرة في أرض كردستان الا ولها قصة ملحمية مع الرمز الكردستاني  , وهل من أحد يمكن أن ينكر اسطورية مسيرته التاريخية الى الاتحاد السوفياتي التي اصطدم فيها وقاتل جيوش عدة دول ؟.  
نتحدث عن الرئيس البيشمركة أو البيشمركة الرئيس مسعود البارزاني , نتحدث عن تاريخه الملحمي في خواكورك وكوري وفي كل بقاع كردستان . 
نتحدث عن العائلة البارزانية التي لم يهدأ لها بال طوال عهود الاحتلال وهي تقارع المحتل بكل أشكاله و ألوانه منذ أكثر من قرن من الزمن . 
عندما نتحدث عن البيشمركة انما نتحدث عن شعب كردستان و قوافل الشهداء في سبيل الحرية (( فلم يبق شبر من أرض كردستان الا وسقط فيه شهيد و أينما تضع باقة ورودك فثمة شهيد قد وقع هناك )) ….. السيد الرئيس مسعود البارزاني في رده على أسئلة أحد الصحفيين حول مكان ضريح الجندي المجهول في كردستان. 
فهل من سخاء وتضحية أكبر من هذا , وهل يحتاج مثل هؤلاء الى شهادة حسن سلوك من أحد ؟ , وهل من أحد ينكر هذه التضحيات ليشكك في اخلاص وتفاني البيشمركة؟ .
قوات البيشمركة وخلال عقود من الكفاح لم تتقهقر ولم تنكسر أمام أعتى الجيوش , لم تترك ساحات الوغى , وصمدت في وجه الآلة العسكرية القمعية للنظام الفاشي المقبور, في جبال كردستان رغم الأسلحة الكيماوية , والانجازات التي تحققت على الأرض من اقليم فدرالي أصبح نموذجاً للديمقراطية والتنمية الاقتصادية في المنطقة خلال فترة قياسية , كانت نتيجة الصمود البطولي للبيشمركة ومقاومتهم الاسطورية وبفضل التضحيات السخية التي قدموها في سبيل الدفاع عن الأمة الكردية ووجودها القومي . فهم لا يحتاجون الى من يدافع عنهم ولا الى شهادة حسن سلوك بعد كل هذه التضحيات .
صحيح أن ما حصل في شنكال وانسحاب البيشمركة من ساحة المعركة أمام هجوم داعش الهمجي كان مؤلماً جداً وترك آثاراً لا تمحى من ذاكرة الأجيال ولا بد من الوقوف على الأسباب التي أدت الى هذا الانسحاب المؤلم .  
لاشك أن جملة عوامل جيوبوليتيكية وعسكرية وتكنيكية أدت الى هذا الانسحاب: فالعامل الجيوبوليتيكي يتلخص في كون المنطقة نائية كردستانياً, معزولة عن محيطها القومي, محاطة بقرى غير كردية قد تكون ضعيفة الولاء للإقليم والبيشمركة ما سهلت لداعش ايجاد مواقغ لها فيها, وتشكل خاصرة رخوة للقوة المدافعة عن المنطقة عسكرياً, كما أن الهجوم المباغت بقوة تفوق كثيراً قوة البيشمركة من حيث العدة والعتاد العسكري في وقت لم يكن قد مضى على دخول البيشمركة لتلك المناطق سوى أيام قليلة , بعد انسحاب الجيش العراقي منها وتركه ترسانة أسلحته الحديثة والمتطورة في أيدي داعش وغيرها من أسباب قد تكون طبيعية في العلوم العسكرية وهي واردة في كل المعارك. 
التجربة برغم مرارتها وقسوتها وجد فيها البعض فرصة ذهبية لمحاولة النيل من البيشمركة والتشكيك بقدراتهم وتضحياتهم, مستغلين الظروف المعقدة التي رافقت هجوم داعش على المناطق الكردستانية المستقطعة من ادارة الاقليم والبقعة الكردستانية المعزولة عن بعدها القومي , فكانت حرباً اعلامية شعواء لا تقل عن الحرب الشرسة التي شنتها داعش على الشعب الكردي ووجوده القومي, بل قدمت لها خدمة سخية وسهلت مهمة الإرهابيين في احتلال المناطق الكردستانية وبسط سيطرتهم من خلال الترويج لموضوعة ( هروب البيشمركة وتخليهم عن واجبهم القومي )؟؟!!  فبثت الرعب والهلع في نفوس الجماهير الوطنية وقواها المناضلة .
الوقائع التاريخية تثبت بما لا يقبل أدنى قدر من الشك أن قوات البيشمركة التي صمدت في وجه الآلة العسكرية للنظام العراقي الفاشي المقبور بالرغم من استخدامه الأسلحة الكيماوية جديرة بالثقة وستظل قادرة على الصمود والمقاومة في وجه الارهاب والاحتلال من أي مصدر, وهي ما دفعت التحالف الدولي الى الاعتماد على البيشمركة كشريك فعلي في محاربة داعش. 
البشمركة لم يتخلوا عن شبر من أرض كردستان ولم يغادروا ذرى جبال كردستان في أحلك الظروف و أقساها ولم يتخلوا عن الشعب الكردي أيام المحن والكوارث والابادة الجماعية كالأنفال والكيماوي , لذلك نقول بكل ثقة انهم لم يتخلواعن شنكال وأهلها ليس دفاعاً عن البشمركة و لكن الحق يقال . 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…