إنشاء مناطق الآمنة لمصلحة الشعب السوري وحقوقه

المحامي مصطفى أوسو
 
  يعود موضوع التدخل الإنساني في سوريا وإقامة مناطق عازلة أو
آمنة لحماية السكان المدنيين من البطش والتنكيل والإرهاب ومختلف أنواع الانتهاكات
الجسيمة لحقوق الإنسان، إلى الظهور مجدداً في واجهة المواضيع المطروحة للتعامل مع
تطورات الوضع السوري، وهذه المرة أيضاً عبر البوابة التركية، بعد أن كانت قد طرحته
مراراً وتكراراً في بداية تفجر الثورة السورية. 
  تركيا التي تحدثت
عن ذلك كثيراً وعملت من أجله، انطلاقاً من اعتبارات سياسية أكثر منها إنسانية،
تتعلق اساساً بحساسيتها تجاه المسألة الكوردية ومحاولة التدخل من أجل لجم الطموحات
القومية للشعب الكوردي في كوردستان سوريا، لكي لا ينعكس ذلك إيجاباً على القضية
القومية الكوردية في كوردستان تركيا، ولكن لم يكتب لهذا التوجه النجاح في وقته، لعدم
دعمه ومساندته من قبل المجتمع الدولي، انطلاقاً من اعتبارات أيضاً سياسية وعسكرية
وطبيعة العلاقات الدولية السائد، ولا علاقة لها بالأوضاع الإنسانية السيئة جداً.
  وقد
تكون الظروف مواتية اليوم أكثر منها قبل حوالي أربع سنوات مضت، للحديث عن إقامة
مثل هذه المناطق، خاصة مع وجود متغيرات عديدة على الأرض فرضتها واقع تشكيل التحالف
الدولي لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، وسيطرته الجوية على الأراضي السورية، بعد قيامه
بضرب مواقع عائدة لهذا التنظيم الإرهابي داخل سوريا. 
  وقد تكون أيضاً
مشاركة العديد من الدول العربية في الضربات الجوية المذكورة للتحالف الدولي تشكل
هي الأخرى عامل من عوامل القوة لإمكانية فرض وإقامة مثل هذه المنطقة ونجاح تنفيذها
داخل الأراضي السورية. 
  أن الأعداد
المتزايدة للاجئين والمهجرين السوريين – أشار تقرير صدر مؤخراً عن الأمم المتحدة
إلى أن نصف الشعب السوري أجبروا إلى ترك بيوتهم والنجاة بأرواحهم – والمشاكل الكثيرة
التي تعترضهم في الدول المختلفة المستقبلة لهم، في ظل غياب إعطاء الصفة القانونية
للاجئين في هذه الدول، تهرباً من الالتزامات القانونية لحقوق اللاجئين، والصعوبات
الكبيرة التي تواجهها هذه الدول في استيعابهم وما ينجم عن تدفقهم إليها من مشاكل
أمنية واجتماعية، كل ذلك يفرض على المجتمع الدولي، إقامة منطقة عازلة أو آمنة،
تكون خاضعة لإدارة دولية من قبل الأمم المتحدة. 
  ومن جهة أخرى فإن
التأكيدات الأميركية على أن عمليات القصف الجوي لمواقع داعش التي يقوم بها التحالف
الدولي، تجري بدون التعاون والتنسيق مع نظام بشار الأسد وأنه لا يمكن بأي حال من
الأحوال التعاون مع هذا النظام المجرم، الذي يعتبر سبب الإجرام والإرهاب في سوريا،
دليل على قدرة وإمكانية الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي، فرض إقامة
مثل هذه المنطقة الآمنة داخل الأراضي السورية. 
  وتعرف المناطق
العازلة أو الآمنة، على إنها مساحة من الأرض معزولة عن جوارها عسكرياً من البر
والبحر والجو، وهي تكون عادة على الحدود، حيث يكون جزء منها في أراضي الدولة
المعنية والجزء الآخر في أراضي دولة أخرى، وبالتالي يحصل الاتفاق على حدود هذه
المنطقة من أجل حفظ الأمن على الحدود، ومن الضروري أن يتوفر حظر جوي لحماية هذه
المنطقة. 
  وهذه الظاهرة
ليست جديدة في العلاقات الدولية، فقد قامت الأمم المتحدة بالتدخل في عدد من الدول
بهدف حماية المدنيين وتقديم المساعدة الإنسانية، حيث طبقت في عدد من الدول، منها
على سبيل المثال: يوغوسلافيا السابقة والعراق، وقد جاءت نتائجها لمصلحة شعوب هذه
الدول في مواجهة حكامها المستبدين، الذين مارسوا شتى أنواع القمع والظلم والاضطهاد
بحق مواطنيهم. 
  وفي سوريا
نعتقد أن تطبيق هذا المبدأ وإقامة مناطق عازلة على الحدود السورية مع الدول
المجاورة، سيصب في خدمة الشعب السوري الثائر ضد النظام الاستبدادي، الذي يتغول
أكثر وأكثر يوماً بعد آخر في ارتكاب الجرائم والانتهاكات الفظيعة بحقه، من أجل
إسقاطه والتاسيس لبناء سوريا المستقبل، التي يجب أن تشكل الديمقراطية ركيزتها
الأساسية وتقوم على أسس الحق والقانون، يتمتع فيها جميع مواطنيها ومكوناتها
بحقوقهم المتساوية وفق قواعد القانون الدولي ومبادىء حقوق الإنسان، وفي مقدمتها
مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. 
  ونعتقد أن
المطلوب الآن، هو العمل الجاد والهادف لتوحيد صفوف المعارضة السورية بكافة اطيافها
تحت سقف برنامج سياسي توافقي، وتوحيد فصائل الجيش السوري الحر وإعادة هيكليته،
بحيث يضم ممثلين عن المكونات السورية المختلفة، ويعتبر الاتفاق الذي ابرم مؤخراً
بين هيئة الأركان العامة للجيش السوري الحر من جهة، وبين المجلس العسكري السرياني
من جهة أخرى، خطوة في الاتجاه الصحيح، يجب أن يتبعه اتفاقات أخرى في هذا الاتجاه،
ليكون قادراً على تحمل أعباء المرحلة القادمة والإطاحة بالنظام المجرم والجماعات
الإرهابية التي تمارس القتل والإرهاب بحق الشعب السوري. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…

صلاح بدرالدين الى الاعلامي المميز، والمثقف السياسي الصديق العزيز شفيق جانكير – بافي آيندة – اتذكر قبل عشرين عاما عندما قررت مواجهة المستحيل، باصرار منقطع النظير، على وضع اللبنات الاولى لموقع اعلامي مستقل وملتزم بالمسلمات القومية والوطنية، في الساحة الكردية السورية، التي كانت تشهد ظاهرة تكاثر الولادات القيصرية للتعبيرات الحزبية، وذروة صراعاتها، عشية ازدياد مخاطر الاختراقات الامنية في جسد الهياكل…

كفاح محمود لا يمكن فهم القصف المتكرر على إقليم كوردستان بوصفه مجرد رد فعل أمني أو ارتداد عابر لصراعات المنطقة؛ فهذه الهجمات، التي استهدفت خلال سنوات طويلة المطارات والفنادق وحقول النفط والغاز والبنى الحيوية، تكشف عن هدف أبعد من التخريب المباشر: كسر نموذج مختلف داخل العراق، فالإقليم لم يعد في نظر خصومه مجرد مساحة جغرافية، بل صار تجربة سياسية واقتصادية…