الإله الكوني حيث الوجود والعدم

د. محمود عباس

 تنعدم الأبعاد الكونية في وجود الإله، وتنحصر المجالات المعرفية في تحديده، ويبقى ناقصا بل ساذجاً كل تقرب من ماهيته، لكونيته، وما يعرف من الزمان والمكان والسرعة كبعد، حدود خيالية لقياسات العقل الإنساني، تظل محصورة، وتقاس بقدرات العلم المبان له أو التي بلغتها إدراكاته، روحية، فسلفية، أو علمية مبنية على قوانين ودراسات، محصورة في جغرافية القوة الذهنية للإنسان، وهي القوة التي تنعدم في كونية الإله.

  فما قدمه الإنسان من قدرات للإله المخلوق لم تتعدى مفاهيمه، وثقافاته وأبعاده الفكرية، فبقيت العقوبات والتحديد لوجود الإنسان وحضوره الأرضي وعدميته، من مرحلة الخلق إلى الاندثار أو الموت، حسب معظم الأديان، أبعاد إنسانية لم ترقى إلى كونية الخالق، حتى ولو عظم في كل مجالاته.
   فخلق الإنسان مفهوم الجنة والجهنم كعقوبة أو تقدير، وفي كثيره محاولة لترهيب ذاته في حياته، وترسيخ قوانينه. والمرحلتين غريبتين، بالنسبة لمخلوق محدود مجاله العقلي، الأولى ينقب فيها وبدون توقف عن المعارف وتوسيع مداركه، وهو قاصر في العديد من أبعادها، الفكرية والعلمية، والتطورات  تتوسع، وبعد كل فترة  يظهر  ضعف الإنسان أمام هذا الوجود الكوني، وفي المرحلة الثانية حيث العدم أو ما بعد الموت، وهي كواقع تخيلي، تنعدم معرفته بالنسبة للإنسان، وما وضع حسب الخيال الفكري أو الفلسفي أو النصوص الدينية، عالم متضارب بين الأديان، ولا أتفاق عليه، والبعض من الأديان تنكرها، لكن ومع ذلك فهي عند المؤمنون بها دينيا سماويا، واقع أبدي. والحياة البشرية مقارنة بها جزء لا يقارن، من حيث البعد الزمني، ولها مسافات يضعها الإنسان بمنطقه اللانهائي، هذا اللانهائي الذي لا وجود له في كونية الإله، ومحاولة القضاء على الزمن والمكان في الحياة الآخرة، تقريب بين أزلية الإنسان وكونية الإله، وهو تأليه غير مباشر للإنسان وتصغير للإله المخلوق.

  أما من حيث العلاقات الإنسانية والعقوبة الإلهية الأخيرة، ما بين وجوده على الأرض أو في الجنة والجهنم، فمثلها مثل غيرها من المفاهيم الدينية ونصوصها، تحدد قدرات الإله وكونيته، ولا تخرجه من حدوده الفكرية وخياله، فالإله الكوني، تنعدم عنده الوجود والعدم، ولا فرق بينهما، فوجود الإنسان في الحياة هي كوجوده في الآخرة، أي وجود للحياة قبل الموت وبعدها سواء في مجالات الإله الكوني، فالعقوبة إن وجدت ستكون في الواقعين، والمحاسبة ستكون في المرحلتين، أما فيما إذا أخذنا بكونية الإله وحصرناه في مرحلتي الإنسان، نكون أمام حصر إنساني بنصوصه الدينية لعمل الإله الذي ينتهي مع الإنسان بعد الأخرة، والتحديد في القدرات الإلهية هنا تأتي من خلق الإنسان بهذه الهيئة، خلقهم بجينات تحمل طرفي النقيض، العنف والسلام، وفي الآخرة يحاسب على الفترة العدمية بالنسبة لزمن الإله، لينقل إلى مرحلة لا نهائية، أيضا إنسانية وليست إلهية، فلا يعقل أن يكون الوجود الإنساني أيضا متساويا مع الوجود الإلهي ويبقى الإنسان خالداً في الجنة إلى حيث وجود الإله ولا نهائيته.
فلماذا لا يكون تقييم الإله للإنسان واحداً في حياته الأرضية، وحياته الثانية، فالحياة تختلف بالنسبة للإنسان، وليس بالنسبة للإله، وقد يكون أفعال الإنسان محل تقييم عند الله هنا على الأرض وهناك في الجنة أيضا، فلماذا يكون هنا على الأرض حساب وخير وشر ولا يوجد في الحياة الأخرى مثلها، أو لماذا لا يكون حياة الدنيا مثل الآخرة؟ أليست الجنة والجهنم واقعتان فكريتان مثلما هي الأن بين الوجود البشري العام، المعذب والمعاني، والسعيد الصحي والمرفه؟ والاختلافات بينهما تعكس الخلافات بين الجنة والجهنم، مع إضافة الخيال الإنساني مضاف إليها جبروت الله المخلوق.
 وإذا ما كان الله يتحكم في الإنسان وكل المخلوقات في الحياة ومثلها في الأخرة، ويسيرهم حسب إرادة إلهية، وقدرات الإنسان التخييرية معدومة، ولا يملك حرية الخروج عن نطاقه، فلماذا لا تكون كذلك هنا على الأرض، أما إذا كانت تجربة لاختبار الإنسان هنا على الأرض، وفي عمره القصير، مع حمله لجينات فرضت عليه مسبقا، فلماذا لا توجد تجربة مماثلة في الحياة الأطول، حيث البشرية ستعيش إلى حيث صيرورة الله؟ لماذا إرادة الله تتناقض بين عالمين مختلفين بالنسبة للبشر، والعوالم بالنسبة للإله الكوني تنعدم أبعادها أمام كليته الكونية، وهل سيقال إنها مشيئة الله ولا قدرة للإنسان بمعرفتها، فكيف إذا له القدرة على معرفة الحياة في الآخرة؟ كما وقلصت قدراته الكونية، عند إحداث فرق بين الإنسان والحيوان أو المخلوقات الإلهية الأخرى، ففي كلية الإله الكوني، الاختلافات بين المخلوقات على الأرض ستكون عدمية، مثلها مثل الاختلافات بين الوجود على الأرض أو بعد الموت، العدمي أو الانتقال إلى الآخرة حيث الجنة والجهنم، وعدمية المخلوقات الأخرى.
   هذه المقارنات التي وضعها الإنسان لذاته وبصيغة نصوص إلهية، مغلف بجبروت وقدرة إله مخلوق، تبقى متناقضة في ذاتها الروحية الصوفية، وفي مجالات الفكر، بعد تطور المفاهيم وتنوع البحث في الكون، وظهور أبعاد معرفية تجاوزت كثيرا قدرات الفكر الإنساني ومعارفه في الفترة الزمنية والمعرفية التي نسخت عليها النصوص الإلهية، فالمقارنات الحالية مع الإسقاطات التاريخية الماضية تخلق الشك في الإله البشري المخلوق وتبرزه على أنه وصف لهيئة لم تخرج من مجال قدرات وخيال الأنبياء، ونصوصهم تنغلق ضمن غلاف الفكر البشرية ومعارفه، ليعود ويطغى هنا إيمانا صوفي بكونية الإله، ووجوده خارج مجال البحث فيه أو وصفه كلياً أو تجسيديا، أو تحديد قوانينه، وتعيين عقوبات على الإنسان، وتحديد الجنة والجهنم، وقضايا السبي، والحوريات، وغيرها من القوانين والعقوبات التي لا تخرج من جغرافية معارف الإنسان، وبعضها أصبحت مع مرور الزمن هشة ومهزوزة البنية، وغيرها التي لم تتعدى مجال قدرات بشر ملكوا الخيال الواسع، وخلقوا آلهة على مقاساتهم الفكرية، فيسندون النص بمجازيات وتأويلات لنصوص غير محددة، بل وبعضها لا تتعدى معارف أولية لإنسان كانت الحضارات حينها محدودة الأبعاد.
دخولنا في جدلية هذه المفاهيم، تفرضه علينا الواقع الجاري، حيث الصراعات المذهبية المتنوعة وذات الخلافات المنهجية الهائلة، والمسنودة من كل الأطراف على النص الإلهي الواحد، وتحديده بمرجع إلهي مخلوق من منابع قدرات الفكر البشري المحدود، والمؤدية إلى ظهور التيارات المتطرفة بين الجميع وعلى مر التاريخ الديني، كما وتثبت أن المنبع واحد حتى ولو كانت التأويلات ذاتية ومنحازة إلى غايات خاصة، ولا علاقة للإله الكوني بما يقوم به الإنسان في تهديم أو بناء ذاته. وبالمقابل ظهور شريحة إسلامية تقوم بإلغاء الصفات الإسلامية أو الدينية بكليته عنهم جميعا يدخلهم في تناقضات فكرية مع النص أو مع الذات، لأن معظم مشايخ هذه التيارات التكفيرية الظلامية والعنفية في أبعادهم العملية يستندون إلى نصوص فيها الكثير من الجدال حولها، يستثنى منهم تيارات شاذة وغير سوية الفكر والفهم وظهرت لغايات وأجندات فاسدة. وهنا تفرض الجدلية نفسها على كل متداول لهذه القضايا، ومنها النص ذاته، إما إنها نصوص إلهية بإسقاطات إنسانية، والنصوص الإلهية لا يمكن أن تكون مطلقه في عالم خلقه دون مطلقه الإلهي، ولهذا تحتاج إلى تأويلات أو تعديلات تتلاءم والتطور الفكري للإنسان لتتعايش مع الثقافات الحضارية الجارية، أو أن النص بحد ذاته إنساني، خلق في فترة ما ثورة بين المجتمع، وأصبح مهترأً مفاهيمه وقوانينه وأحكامه، ويحتاج إلى تغيير أو تعديل.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…