حُجَّة طرزان الكُردي

 ابراهيم محمود 

  لمن يعلَم، فإن ” طرزان ” المعروف بمظهره نصف الحيواني، نصف الإنساني، الإفريقي تحركاً وداخل الغابة، ينتمي إلى العِرق الأوربي، وأنه اختار هذا المسلك رفضاً للغزو الأوربي للقارة السوداء، وحباً بها، واسمه يعني بلغة أهل المكان، تحديداً ” الرجل الأبيض “، وبالمقابل، نجد، وراهناً أكثر، أن نسبة ملحوظة من ” كردنا ” في الدائرة الدينية الإسلامية تحديداً، وعلى محيطها، وعلى أعلى مستوى لا يكفُّون عن اعتبار الداعشية دخيلة على الإسلام، ويتجاهلون فتاوى كثيرة تحرّض على قتل المخالف لقواعد وتشريعات فقهية معينة ” ضمن فتاوى ابن تيمية “، وأن ” الوهابية ” تخريج  أحدث لها، وأكثر من ذلك، حين نلتقي وبالعين المجردة بكرد ينمون لحاهم أكثر، ويحفّون شواربهم، ويقصرون جلابيبهم البيضاء، ويطيلون سراويلهم الداخلية، تأكيداً على انتماء معين لهؤلاء الذين يغزونهم في كل شيء، ويتهددونهم في ” ثالوثهم ” المسجَّل .
يتجاهل المعنيون بأمور الدين التاريخ الذي ينسّبون أنفسهم إليه، أكثر من ارتباطهم بنسِبهم الاثني، كما يفعل الآخرون خلافهم تماماً في القومية ومن ثم ربط الدين بها، وما في ذلك من اعتراف ضمني بأن الذين يتربصون بكل ما يعنيهم: أرضاً وسماء محقّون، وربما ينتظرونهم، وربما أكثر وأكثر من ذلك، ثمة من هيأ رايات لهم، لإبرازها ” هوية عقيدية تكفيرية ” لحظة قدومهم أو غزوهم للداخل الكردستاني ” لا قدَّر الله طبعاً ” . في الممارسة الفكرية والعقيدية، يعتبر المظهر ترجمة مرئية لما هو قائم في الداخل، لا بل، ثمة من يفضّل المظهر الخارجي، والتميز به، جرّاء آفة مظهرية، دون الجوهر، في الوسط الديني والمجتمعي والثقافي، والفساد الملحق بذلك. وفي مثل هذه المجابهة، يكون التميز بالمظهر تصريفاً لحقيقة الشخصية، رغم أن مصداقية العقيدة في وضعيات كهذه، تفرض على أهلها ردة فعل، ومقاومة مضادة لمن يبتز الدين، أو باسمه يمارس الغي في سواه، وليكونوا بعيدين عن كل علامة وصل بين الطرفين، إلى جانب أن لقاء هؤلاء في الشارع أو في الأماكن العامة، لا يخفي طابعه الإشهاري: الإعلامي والدعائي، والتأثير في آخرين: ذوي الأعمار الغضة وخلافهم للاحتذاء بهم . في الغزو الداعشي، لا بد من الربط المحكَم بين جبهتين: خارجية وداخلية، والثانية أخطر، وذلك بتعرية أصول متبني هذا الغزو والمروجين له في مواقع مختلفة ” ثمة مواقع فيسبوكية كثيرة تروّج لهم، وتشنع على الكرد، والإيزيديين ضمناً “، إلى جانب السعي إلى التخلي عن المظاهر ذاتها: قص اللحى، خلع الجلابيب المذكورة، أم إن الوطن والشرف والقومية أرخص من العقيدة المعلقة بما هو شكلي : اللحية، الزي الإسلامي ؟ ! ما أكثر ما نلاحظ من يشدد في التركيز على الكرد باعتبارهم ” منحرفين ” عن الإسلام، والكرد الإيزيديين بصفتهم نحلة، أو طائفة كافرة، وليسوا أهل عقيدة، أو مذهب، للتقليل من شأنهم الديني، وقتالها حلال، وملاحقة كل من ينتمي إليها عمل جهادي، كونهم يعبدون ” الشيطان “، رغم أن هذا نقيض ما يروَّج ضده، باعتباره ممثل الشر، وأن عدم ذكره هو لاتقاء خطره، وأن تلفظ اسم الله كاف، ويعني ذلك أنهم لا يسمونه إلا حباً بالله، أما الآخرون ” المسلمون في السياق المذكور” فخوفاً من الله، وبالتالي، فإن هؤلاء المتفقهين الكرد هنا، ممن يشددون عليهم، إنما يتنكرون لتاريخ جهادي داخل الإسلام نفسه ” الصوفية ” وفي القائمة :الحلاج الشهيد ” ت 309 هـ- 922 م “، وهو الذي قال ذات يوم مخاطباً ربه الأوحد، وبلسان ممثل الشر: جحودي فيك تقديس   وعقلي فيك تهويس وأن متفقهينا هؤلاء أنفسهم حين يصرّون على دعواهم، ينسحبون من تاريخهم الإنساني والقومي الكردي، حيث يقف لهم العتيد أحمد الخاني ” ت 1706 م “، بالمرصاد، من خلال بلاغة القول المتعلقة بموقفه من ممثل الشر سالف الذكر.
لا أطالب هنا، أن يتصرف كل كردي في الحيّز المسمى التصرف على طريقة طرزانية في المجابهة، بخلع كل ما يصله بما هو إسلامي، إنما اتخاذ مواقف لها دلالتها في مقاومة الغزو الداعشي ومترادفاته، كما في الأمثلة المسماة .
أنوّه بمثال أخير وليس آخراً يتلخص في أنه في مجتمعنا، وربما حتى الآن وفي بعض الجهات، كان الرجل الذي يتعرض لإهانة ما، تتمثل في قتل قريب له، أو يثلَم شرفه، يحسر رأسه، كأنه ينذر نفسه للموت، وهو يقول مهدداً ومنذِراً: لن أضع هذا ” السلك- الحطة، الشماخ، العمامة ..الخ ” على رأسي حتى آخذ بثأري .

أي شرَف هو الأهم هنا ؟ أترك الجواب لأهله ؟   

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…