اكراد الشرق الاوسط وعذابات المرحلة

فايز سارة 

يتوزع الاكراد في المنطقة على اربع دول رئيسية هي تركيا والعراق وايران وسورية وفق أهم التجمعات عدداً وتمركزاً.

لكن هذا لا يعني انهم غير موجودين في بلدان المنطقة الاخرى.

اذ لا تخلو البلدان الاخرى من وجود محدود للاكراد على نحو ما هو عليه الامر بالنسبة الى لبنان، حيث يعيش آلاف من الاكراد.
وباستثناء العراقيين الاكراد الذين تتمركز غالبيتهم شمال العراق في حال شبه كيانية، فإن أكراد البلدان الاخرى لا يشكلون مثل ذلك التمركز الكياني من ناحية الانتشار الديمغرافي، ولا من ناحية اخذهم ملامح كيانية.

وامر كهذا يجد تعبيره الواضح في حال السوريين الاكراد الذين يمتد حضورهم الرئيس على معظم خط الحدود السورية – العراقية والحدود السورية – التركية في شمال شرق وشمال سورية مع تموضعات ذات غالبية كردية خصوصاً في القامشلي وعفرين.

وللأكراد في البلدان الرئيسة احزاب وجماعات سياسة واجتماعية – ثقافية، تعبر عن وجودهم في تلك البلدان.

لكن العراقيين الاكراد وحدهم الذين لهم قوات شبه عسكرية معلنة تتبع الجماعات السياسية الرئيسية ولا سيما الحزب الديموقراطي والاتحاد الوطني، تتمركز في منطقة الشمال التي تأخذ شكل كيان كردي، يتمتع بادارة مستقلة في اطار عراق فيديرالي بالاستناد الى تفاهم توافق عليه العراقيون بدعم اميركي بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.
وعلى رغم ان لأكراد بلدان المنطقة هموماً مشتركة اساسها الطموح الى اقامة كيان كردي موحد، يعبر عن الشخصية الكردية وهمومها، وهو هدف عام وبعيد المدى تتبناه اهم الجماعات الكردية، فإن العراقيين الاكراد منشغلون في ترتيب كيانهم وادارته وموقعهم فيه، فيما ينخرط أكراد البلدان الاخرى في مهمات أقل مستوى، تراوح ما بين اعلاها وهو السعي الى اقامة كيان منفصل عن الدولة في تركيا، وقريباً منه حال الايرانيين الاكراد، واقلها سعي السوريين الاكراد نحو حقوق سياسية وثقافية في اطار الكيان السوري، وفقاً لما تقول به أكثر الجماعات الكردية.
غير ان مساعي الاكراد، في كل الحالات، لا تسير في طريق سهلة ومعبدة، فثمة صعوبات حقيقية تعترضها، لعل الابرز فيها صعوبات تتعلق بالاكراد انفسهم، واخرى تتعلق بالحكومات القائمة في بلدان المنطقة، وصعوبات اخرى تتعلق بالسياسة الدولية وعلاقاتها بالمنطقة وبلدانها، وربما كان الأهم في هذا الجانب، ان السياسة الدولية لا يتوفر في اطارها توافق حول القضية الكردية ولا سيما موضوع دولة كردية في المنطقة، أو على صعيد اي بلد فيها، بما في ذلك العراق الذي تبدو فيه احوال الاكراد، وكأنهم على ابواب دولة كردية في الشمال.
والصعوبات التي تواجه الاكراد من جانب حكومات بلدان المنطقة، تكمن في عدم الاعتراف بهم حالة قومية مستقلة، وادخالهم في اطار كياني هو اسلامي في ايران، وطوراني في تركيا، وعربي في سورية بخلاف ما هو عليه وضعهم في العراق بوصفهم منتظمين في اطار كيان كردي، يجمعهم الى غيرهم في اطار عراق فيديرالي.
والصعوبات الخاصة التي تواجه طموحات الاكراد، ابرزها تمزق الحركة الكردية سواء في المستوى العام او في مستوياتها القطرية – المحلية، ويتبع تمزق الحركة الكردية تمزق ايديولوجي وسياسي، وطائفي اضافة الى تمزق عشائري وجهوي، تحول جميعها دون وجود ارضية عامة لتوافقات كردية مشتركة تخرج من الشعارات الى حيز معالجة الواقع.
واذا كان القول، بأن جملة الظروف المحيطة بالاكراد وقضيتهم في المنطقة من حيث انها ظروف موضوعية، تحتاج وقتاً وجهداً لتجاوزها بالتشارك بين الاكراد وغيرهم وخاصة الجماعات القومية في المنطقة وسط بيئة دولية مناسبة، فإن التغلب على الصعوبات التي تخص الاكراد في المستويين العام على صعيد المنطقة أو على صعيد كل بلد، هي مسؤولية الاكراد الاولى، واساسها خلق المشتركات القائمة على المعطيات الواقعية السياسية والاجتماعية والثقافية عبر صيغ التفاهم والتقارب بين مختلف الجماعات والتجمعات الكردية، ودفع الموضوعات المختلف عليها نحو المستقبل الذي يملك وحده القدرة على متابعتها ومعالجتها وحلها، ثم السعي عبر المشاركة في معالجة الموضوعات المتفق عليها من خلال برامج عملية واجرائية، مما يكفل تحقيق تقدم ملموس نحو الاهداف التي يسعى اليها الاكراد.
ولا شك ان الوصول الى مستوى المشاركة، ووجود آليات تفاعلية، سوف يختصر الطريق امام الاكراد، وهذا يعني ان يختصر الآمهم ومعاناتهم في السير نحو اهدافهم، اضافة الى انه سيولد طريق وآليات، تساعد الاكراد والشعوب التي يعيشون معها من أتراك وعرب وفرس وغيرهم في أكتساب نهج جديد وعملي في معالجة القضايا والموضوعات التي تحيط بحياتهم في الحاضر والمستقبل، وتخفف من معاناتهم جميعاً وتجعلهم اقرب الى بعضهم بعضاً.
 
الحياة

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس   ما يجري اليوم في جزيرتنا الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في القراءة، بل تفكيكٌ منهجيّ يبدأ من العائلة، يمرّ بالعشيرة، وينتهي عند إنكار الأمة ذاتها. هذا النص لا يُكتب بوصفه مقالة رأي، بل يُصاغ كإنذارٍ أخير، قبل أن تتحوّل الجزيرة إلى سردية عروبية جديدة، مكتوبة هذه المرّة بالحبر الكوردي نفسه، وبأقلام تدّعي البراءة وهي…

حسن برو كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مقاومة أهالي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى جانب قوات الأسايش، في وجه هجوم شنّته جماعات جهادية وما يسمى بـ«جيش سوريا الجديد» الذي يضم فصائل إسلامية متشددة. وقد سوّغت السلطات المؤقتة في دمشق هذا الهجوم بذريعة أن وجود الأسايش يشكّل تهديدا للمدنيين في مدينة حلب، وهي حجة استخدمت لتبرير حملة عسكرية واسعة…

قهرمان مرعان آغا يحدث هذا كله، في زمن الرئيس الأمريكي ترامب ، أَنْ تتآمر دولتان (تركيا- سوريا) في مواجهة حارتين ( كورديتين) في مدينة (حلب – الشيخ مقصود و الأشرفية) . تآمر تركيا كان بادياً في الشراكة من خلف الأبواب من خلال وجود وزير خارجيتها في باريس مع ممثلي السلطة المؤقتة في دمشق ، يوم 6 ك٢ – يناير 2026…

بعد التحية والتقدير أتوجه إليكم بصفتكم وكذلك فيما لو كنتم تمتلكون قرار الحرب والسلم .. وهذا ليس من باب الطعن أو التشكيك وانما بسبب المآل السوري الذي لم يعد أحدا فيه يمتلك إرادة الفعل والقرار فضلا عن تفريخ أمراء الحرب وتجار الدم ومرتزقة الأجندات في كل الجغرافيا السورية والذين لن يتوانو عن ارتكاب الفظائع فيما لو شعروا بأن البساط سينسحب…