لماذا فشل أكراد سورية في تشكيل لجان السلم الأهلي ؟

حواس محمود

منذ بداية الثورة السورية المباركة كان للكرد دور في دعمها وتشجيعها ومساندتها عبر تظاهرات وندوات ونشاطات متعددة عبر عدة تنسيقيات شبابية وعبر شهداء قدموا أرواحهم فداء لها كمشعل التمو وجوان قطنة ومحمود والي وغيرهم

لكن لم تكن هذه التنسيقيات وبالتالي الحراك الشبابي والشعبي، مسنودة من الأحزاب الكردية التقليدية التي تحولت إلى كتلتين مختلفتين في المنهج والموالاة والتحرك، الكتلة الأولى تضم 11 حزبا كرديا تلقى دعما من الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق – الحزب الديموقراطي الكردسناني ويتزعمه رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني ويتزعمه الرئيس العراقي جلال الطالباني، وكتلة أخرى متمثلة بحزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني

كما أن السلطة ومنذ البداية حاولت تحييد الكرد في المعادلة السورية الجديدة بعد تفجر ثورة 15 آذار – مارس 2011، وذلك لتخفيف الضغط عليها، ولتحقيق مقولتها النظرية المحاربة للثورة من أن الثوار ما هم إلا عصابات مسلحة ومن ثم عصابات إرهابية مسلحة حسب تعبير البروباغندا السلطوية السورية، وتظاهرت السلطة بحمايتها للأقليات كرد – دروز – مسيحيين – لتشويه وعزل الثوار عن حراكهم السياسي ضدها.
من هنا ومع تأخر الحسم في المعادلة السورية (إذ النتيجة أن أيا من الطرفين لم يكن ولا يزال يستطيع حسم الحرب لصالحه مع وجود أطراف إقليمية ودولية تدخلية كل منها لصالح طرف من طرفي الصراع الداخلي)، دخلت الكتلة الثانية وهي حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا (PYD) على خط العمل السياسي والميداني، هذه القوة لجأت إلى تفاهمات مع النظام وأجرت عمليات استلام وتسليم مع حمل عناصرها السلاح والقيام بدوريات منتظمة، دون أي اصطدام مع القوى الأمنية التابعة للنظام وبقاء هذه القوى الأمنية في ثكناتها ومواقعها في المناطق ذات الغالبية الكردية، وهنا جرى اتفاق سياسي مع الأحزاب الكردية الأخرى وتم توقيع اتفاقية بين مجلسين هما المجلس الوطني الكردي الذي يضم الأحزاب الكردية، ومجلس غربي كردستان الذي هو التعبير البرلماني عن حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا، في هولير وسمي باتفاقية هولير برعاية مسعود البارزاني
كل هذا جعل من إنشاء مجالس للسلم الاهلي بين مكونات المنطقة ذات الغالبية الكردية أمرا بعيدا في ظل تدخلات السلطة الأمنية في نسيج الحراك السياسي ودعمها لطرف محدد وهو مجلس غربي كردستان واختراق هذا المجلس لاتفاقية هولير أكثر من مرة مستفيدا من كسب الشرعية الكردية الممنوحة إليه من أربيل ومن الدعم الممنوح إليه من النظام أي بعبارة موجزة أن مسعى السلم الأهلي أحبط بفعل أجندات ومصالح داخلية واقليمية ولم يتم الالتفات إلى المصلحة المحلية الكردية والمناطقية (المكونات الأخرى ضمن المناطق الكردية)
وبقيت هذه المناطق دون اتفاق للسلم الأهلي بين مكونات المنطقة – المسيحيين والعرب والكرد، هذا بالرغم من الحاجة الماسة إلى مثل هذه اللجان ودعوة قطاعات شعبية كبيرة من كافة المكونات إليها وعلى رأسها التنسيقيات الشبابية من هذه المكونات
إن حالة التناحر والتصارع في المناطق الكردية مع جبهة النصرة ودولة العراق والشام الإسلامية هو تحصيل حاصل التشتت الكردي والعسكرة والتفرد بالقرارات الكردية.  
وفيما لو أدير الموضوع بصورة تشاركية بين الكرد أنفسهم كان من الممكن أن تحصل عملية استقطاب جماعي في الشارع الكردي ويحصل اتفاق مع العرب والمسيحيين في مناطق الجزيرة الكردية وعفرين.
إن عدم تشكيل لجان السلم الأهلي لا يخدم أبناء المنطقة وأمنهم وسلامتهم ويفسح المجال للتناحرات والتصارعات التي لا تخدم أبناء المنطقة ، بل تخدم النظام الذي يخطط لهذه الأمور بدقة وللأسف يأتي من ينفذها في خسارة قومية للكرد واضحة، إذ أن الأحزاب الكردية عندما تعاتب المعارضة بعدم تلبية مطالبها، قد تكون محقة بذلك، لكن السؤال الكبير هو لماذا تخدم النظام وتدخل في صراعات قد تطول عقودا وليس سنينا فقط دون أي اعتراف دستوري أو قانوني منه بحقوق الكرد المشروعة في سوريا؟ !

وأخيرا يمكن القول إن مستقبل المناطق ذات الغالبية الكردية مع المكونات المتعايشة مرتبط بالتغييرات السياسة والميدانية في قادم الأيام.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود بدايةً ، ولادة أي نظام أو سلطة في دولنا المفعول بها وفيها ، له أبٌ و أم ، وعليه يأتي المولود و في إنتظاره الرعاية والاهتمام اللازمين ، وهذه باتت مسلّمة لا لبس فيها عند شعوب المنطقة ، وليست بحاجة لبرهان كي تتحول لحقيقة ، بل هي الحقيقة ذاتها ، ولكن ما يُعكر صفو الحدث هو…

محمد دلي تناولتُ قبل عشر سنوات مسيرة الحركة الكردية في سوريا في مقالٍ نشِر في موقع “ولاتي مه” وغيره، تحت عنوان «الاستحقاق النضالي»، الذي تركز منذ عام 1957 حول إثبات الوجود الكردي ومواجهة السياسات الشوفينية لنظام حزب البعث ومشاريعه الممنهجة ضد الشعب الكردي. ورغم محاولات توحيد الصف والتحول إلى فاعل سياسي وعسكري أثناء ما عرف بالثورة السورية، بقيت هذه الحركة…

خالد السينو Khaled Al Sino لا يبدو موقف الرئيس مسعود بارزاني وقيادة إقليم كردستان من اندماج قسد بالدولة السورية موقفا جديدا أو مفاجئا .. فهو امتداد لتحذيرات قديمة من أن يتحول القرار الكردي في سوريا إلى جزء من صراع إقليمي أكبر، لا يملك كرد سوريا التحكم في مساره أو نتائجه. لم يكن اعتراض الرئيس البارزاني على مقاومة داعش أو على…

المحامي رضوان سيدو منصب مستشار لرئاسة الجمهورية هو وظيفة استشارية تتبع مباشرة لرئيس الجمهورية لتقديم الرأي و الخبرة المتخصصة و لكن لا يحمل المستشار أي صلاحيات تنفيذية مستقلة . – يصدر تعينه بمرسوم أو قرار رئاسي . – يتبع المستشار مباشرة لرئيس الجمهورية و لا يخضع لسلطة رئيس مجلس الوزراء أو الوزارات . – لا يملك المستشار حق إصدار قرارات…