قوى المعارضة السورية .. ومدى ديموقراطيتها ؟؟

عبداللـه إمام
بإلقاء نظرة على خارطة القوى والأطر السياسية السورية المعارضة ، سواء تلك التي تتواجد داخل الحدود السورية أم تلك التي تستقر خارج هذه الحدود ، نجد أنها تتوزع بين تعبيرات سياسية متعددة ومختلفة تدعو في مجملها إلى سوريا جديدة يحكمها نظام ديموقراطي .
   إلا أن هذا التلاقي في الرؤية العامة المطالبة بالديموقراطية ، لا يعني وجود معارضة سورية واحدة أو موحدة متفقة أو متوافقة على برنامج سياسي أو ميثاق وطني يجمع كافة القوى السياسية السورية المعارضة في خندق واحد ويوجهها نحو أهدافها المنشودة .
فهنالك في الداخل السوري قوى سياسية متوافقة على ما يسمى بـ « إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي » ، وفي الخارج السـوري تشـكلت ما تسمى بـ « جبهة الخلاص الوطني» التي تضم بعضاً من القوى السياسية ..

كما أن هنالك فصائل وقوى أخـرى لا تنتمي إلى أيّ من الإطارين المذكورين، وهي بدورها متوزعة ما بين الداخل والخارج السوريين .
وهذا ما يوصلنا إلى نتيجة مفادها أنه إذا كان ثمة شيء في سوريا اسمه « معارضة » فهو عبارة عن « معارضات » إن جاز التعبير .
أما السمة الديموقراطية لهذه «المعارضات» فهي بدورها مثار جدل وتساؤل وريبة من قبل السوريين؛ حيث أن هذه السمة تفترض وجود البرنامج أو الميثاق الوطني الشامل المتضمن للرؤية الوطنية القائلة بوجوب دمقرطة سوريا من خلال العمل من أجل إنشاء عقد وطني جديد بالتوافق على دستور للبلاد من قبل مجلس تأسيسي وعرضه على السوريين للتصويت عليه، ومن ثم إجراء انتخابات تشريعية حرة تنبثق عنها سلطة تنفيذية حسب الأصول المتبعة لدى مختلف الأنظمة الديموقراطية في العالم.
وفي البحـث عن هذا الميثاق الوطني المنشـود، لا نجـده لدى أي من الأطر المعارضة المذكورة.

ففي حـين نلاحظ تردداً بيّناً لدى قوى «إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي في سوريا» في تبني خيار التغيير الديموقراطي بخلطها بين هذا المفهوم وبين مفهوم الإصلاح الديموقراطي الذي يغلف في متن وثيقة إعلان دمشق بعبارة «التغيير التدريجي»، فإننا، في ذات الوقت، نرى إقصاءً للشعب الكردي في سوريا كإحدى المكونات الوطنية الرئيسية الشريكة في خلق سوريا منذ رسم حدود الدولة السورية في النصف الأول من القرن الماضي.
أما ميثاق « جبهة الخلاص الوطني في سوريا » ، والذي يعتبر أرقى وأكثر جرأة من ميثاق إعلان دمشق من حيث رؤيته لعملية التغيير الديموقراطي المنشود ، فإنه – رغم اعترافه بالشعب الكردي في سوريا وحقوقه السياسية والثقافية والاجتماعية – يؤجل الموضوع الكردي إلى البند الثاني عشر من أولوياته ، كما أنه لا ينص أو يشير إلى أية ضمانة دستورية للحق القومي الكردي .
وفي تفقدنا للقوى السياسية السورية المعارضة اللامنتمية إلى الإطارين المذكورين (إعلان دمشق ، وجبهة الخلاص الوطني )، لا نجد ما هو أفضل مما هو موجود لدى ذينك الإطارين ، وهذا ما يعتصر لنا نتيجة مفادها أن القوى السياسية السورية المعارضة متفقة ، أو هي على الأقل متقاربة ، في رؤاها السياسية ، ولو كانت متفرقة داخل وخارج إطاري إعلان دمشق وجبهة الخلاص الوطني .
ويستثنى من الحالة السابقة بعض الشخصيات والقوى السياسية السورية التي تتبنى الرؤية الداعية إلى التغيير الديموقراطي وإيجاد حل للمسألة الكردية في سوريا من خلال الاعتراف الدستوري بوجود الشعب الكردي في سوريا .
فإذا اعتبرنا الموقف من المسألة الكردية في سوريا مقياساً– وهو كـذلك –  لمدى ديموقراطية أية قوة سياسـية معارضة، فإننا لن نجد في الوقت الراهن أية قوة سياسية سورية معارضة حاملة للمشروع الديموقراطي، باستثناء الحالة المذكورة في الفقرة السابقة .
   إننا إذ نأسف لما هو عليه حال المعارضة / المعارضات السورية ، فإننا – في الوقت ذاته – ينبغي أن نكون متفائلين بحتمية التغيير الديموقراطي الحقيقي الذي سيفرز حوامل له ولو بعد حين ، إما بتطوير الأدوات الحالية التي توقفنا عليها في هذا المقال ، أو بخلق أدوات بديلة جديدة ، وذلك بحكم مقتضيات الوضع الدولي الجديد وتداعياته ومتطلباته ونتائجه على الصعد العالمية والإقليمية والمحلية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…