لماذا لم تساعد أمريكا الثورة السورية ؟

  خالد ديريك
خاضت أمريكا في عصر حديث حروب عديدة في مختلف القارات سواء أكان بارداً أو عسكرياً ساخناَ وأهم الحروب التي شنتها كانت في فيتنام وأفغانستان والعراق تحت ذرائع شتى بالإضافة إلى ضربات عسكرية أستباقية في دول أخرى

الإدارة الأمريكية الجديدة منذ توليها الحكم غيرت سياسة أمريكا الخارجية فبدل هجوم عسكري مباشر ومباغت  أخذت دور حرب الاستخبارات حيزاً كبيرا بالإضافة إلى أستخدام أدواتها وتوابعها في مناطق الصراع وقد مارست هذه السياسة في ثورات ماتسمى بالربيع العربي
بالإضافة فأن حروب مباشرة كلفت أمريكا أموال باهظة وأرواح كثيرة مقارنة مع حروبها الباردة أو الأستخباراتية والأدواتية والتوابعية التي لا تكلفها شيئاً
من هنا تبين بأن مصالحها فوق كل إعتبار فهي لم تتدخل في الشأن السوري برغم من دموية نظام الأسد وهي غيبت أمل وظن أغلب المعارضين ولم تستطع أستعمال نفوذها حتى في تنحي الأسد كما حصل لدى روؤساء مصر وتونس واليمن بإختصار لأنها لا تملك أي نفوذ وسلطة على الأسد
كما أن الحالة السورية لها أبعاد وخيوط أخرى متشابكة وسوريا هي مفتاح الحل لكثيرمن مشاكل الشرق الأوسطية كما أنها عمودياً وأفقياً أصبحت ساحة للصراعات وتصفية الحسابات – طبعاً دائماً على الأشلاء والدماء السورية-
أتبعت أمريكا منذ بداية الثورة السورية سياسة اللامبالاة والتردد والجمود إذ أخذت خطاً مختلفاً عن إدارة بوش بل وحتى عن سياستها في دول الربيع العربي وغيبت أمل المناجين والمنادين لها من المعارضين السوريين وحلفائها الأقليميين
ولأن أمريكا تدرك بأن سوريا هي مفتاح الحل لكثير من القضايا الشائكة في المنطقة حتى بات وتخيل إلى البعض بأن سياستها تتماشى مع سياسة النظام السوري او كأنها ليست أمريكا التي نعرفها التي تتدخل بكل صغيرة وكبيرة في كل ما يحدث  في العالم ,لكن هذه السياسة ليست أمريكية صرفة وإنما جاءت لصالحها وحصدت نتائج لم تتوقعها ,فمنافستها دب الروسي أجبرتها على أتخاذ هذه السياسة وإلا لكانت الاصطدام المباشر بينهما سيد الموقف في سوريا
عندما كان يهدد النظام السوري بأحراق المنطقة والعالم إذا ما أستمر الغرب في دعم المعارضة لم يكن ذلك مجرد صدفة أو تصريحاً صحفياً لأن النظام كان متأكداً من وقوف روسيا وإيران إلى جانبه بكل السبل الممكنة
فإيران ترى سورية عمق نفوذها الإقليمي وحاجز سد أبواب أطماع تركيا ومنافستها في المنطقة
وروسيا تراها عمق نفوذها الأستراتيجي على شرق البحر المتوسط كما تراها أحدى ملحقات أو مستعمرات الاتحاد السوفيتي السابق التي لا يمكن التنازل عنها بسهولة
الأسد أوحى للغرب منذ بداية الثورة بأنه يحارب الأرهابيين فكان لابد من إيجاد إرهابيين حقيقيين لتثبيت مقولته ومزاعمه فعمد إلى قصف وتدمير المدن والبلدات وقتل الأبرياء لإثارة الاحتقان ودفع الناس إلى حمل السلاح وقد تحققت أمنيته
ولأن كان أغلب ضحايا من أهل السنة مما دفع ببعض الشيوخ من مختلف الدول الإسلامية وخاصة الخليج إلى دعوة الجهاد ضد النظام المجوسي كما أسموه هم
بدورها فتحت تركيا حدودها مع سورية على مصراعيها وسهلت في عبور المقاتلين العرب والأجانب ومولت دول الخليج هذه الجماعات بما تكفي لأن تركيا ودول الخليج كانوا من أهم المتحمسين في أسقاط النظام السوري  لكن انقلبت الآية  أولاً بسبب فتور الموقف الغربي وثانياً دعم هؤلاء المقاتلين جاء لصالح النظام وساعده في تثبيت مزاعمه بأنه يحارب الإرهابيين وهذا أيضاً ما كانت تردده روسيا وتدافع فيها  عن النظام في  الهيئات والمحافل الدولية  بنفس الحجج
هنا ألتقت مصالح اللاعبين المؤثرين في الحدث السوري بعد دخول المقاتلين الأجانب وما خلفته أعمالهم الانتقامية التي غيرت مجرى الثورة ذات أهداف حرية و ديمقراطية إلى شعارات إسلامية قاعدية صرفة
غضت أمريكا نظرها عن دخول الجهاديين المحسوبين على القاعدة إلى سوريا كما غضت نظرهاعن دخول حزب الله إلى طرف الصراع .
وقوف وثبات روسيا إلى جانب النظام جعلت من أمريكا تدار المعركة من البعد ولكن جاءت لصالحها أيضاً ,لمرة الأولى تجمعت أعداء أمريكا المفترضين في بقعة واحدة بالخصام والتصادم  والقتال وهذ أمر لم تكن تحلم به يوماً ولم تتوقعه أن تحدث كما حدثت في سوريا ,محور ما يسمى الممانعة والمقاومة بأغلبيتها الشيعية في مواجهة تنظيم القاعدة والمتطرفين السنة
لهذه الأسباب لم تتدخل أمريكا لصالح الثورة السورية
ولا يهم كثيراً  دماء الأبرياء في السياسة

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالحمید زیباري – اربيل مرة أخرى، يجد الموظف العراقي نفسه رهينةً لمعادلات جغرافية وسياسية لا يملك حيالها شيئاً؛ فبين ليلة وضحاها، تحول إغلاق مضيق هرمز وتقييد حركته من مجرد خبر في النشرات الدولية إلى كابوس يهدد المائدة اليومية لملايين العراقيين. لقد أسقطت هذه الأزمة الجيوسياسية ورقة التوت الأخيرة عن عورة الاقتصاد العراقي، كاشفةً عن هشاشة مرعبة في بنية دولة تعتمد…

مصطفى عبد الوهاب العيسى   لم تعد مكافحة خطاب الكراهية والتحريض وبث الفتنة واجباً أخلاقياً يقتصرعلى المثقفين والمتنورين والوطنيين في سوريا ، بل غدت اليوم إحدى أهم الركائز لتحقيق العدالة بمفهومها العام والشامل ، وأصبحت مسؤولية وطنية وقانونية مشتركة بين السلطات من جهة ، والشعب من جهة أخرى . فالسلطات مطالبة باتخاذ جميع التدابير اللازمة ، وتفعيل ما أمكن من…

الكاتبة والشاعرة آخين ولات هناك جرحٌ في التاريخ لا يلتئم بمجرد مرور الزمن، لأن الجرح ليس في الجسد فقط، بل في الذاكرة والكرامة والوجود. قضية الشعب الكردي ليست مجرد قضية حدودٍ سياسيةٍ أو نزاعٍ على أرض، بل هي سؤالٌ أخلاقيٌ عميقٌ عن معنى الإنسان حين يُحرم من حقه في الحياة واللغة والهوية والأمان، وحين تتحول المقدسات إلى شعاراتٍ تُستخدم لتبرير…

صلاح بدرالدين يستوجب الرد على من يدعي : ( ان التناقض بين الفكر القومي الكردي التحرري ( الكردايتي ) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي احد اعمق الشروخ البنيوية التي اصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا ….وان هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخيا وعبر أدوات ناعمة وخشنة كابحا حقيقيا وعائقا وجوديا امام تحقيق الطموح القومي الاسمى المتمثل في…