وطنان في دولة متحدة

   كفاح محمود كريم

بلاد ما بين النهرين أو الميزوبوتاميا أو ارض السواد أو العراق، هذه البلاد الجميلة والعريقة عراقة الحضارة التي انبثقت من بين جبالها وسهولها وإنسانها الأول وحروفها الأولى وقدحات حضاراتها، كانت أيضا تسمى بالعراق العربي والعراق العجمي ( والعجمي تعني ما هو غير العربي وليس الفرس حصرا كما هو مشاع في العراق، وهنا كان الكورد هم المقصودين بالأعاجم غالبا).
والعراق العربي كان يمتد من بغداد إلى الجنوب وصولا إلى البصرة وغربا إلى الرمادي أما العراق العجمي فيتكون من الأراضي التي تمتد من شمال بغداد إلى الحدود التركية الحالية تقريبا شمالا والحدود الإيرانية الحالية تقريبا شرقا والسورية غربا.

وقد تقاسم الكورد والعرب هذا الوطن منذ القدم ولربما يكون الكورد أقدم سكنا في هذا القسم من الأقوام الأخرى حسبما تؤكده معظم المراجع التاريخية والانثربولوجية خصوصا إذا ما أخذنا النظرية التي تعتقد بأن السومريين الأوائل هاجروا من أراضي وجبال كوردستان الحالية.
وقد مرت قبائل وأعراق كثيرة في حقب تاريخية بهذه المنطقة وانصهرت في بودقة هاتين القوميتين تحت عوامل وتأثيرات حضارية أو عنصرية أو دينية أو عسكرية، كثيرة ربما كان الدين واحدا من أهمها.
من هنا يتضح وبدون الخوض في تفاصيل تاريخية أو جغرافية، بأنه هناك مجموعتين بشريتين رئيسيتين تقاسمت أرضا كانت تسمى بلاد ما بين النهرين وفيما بعد العراق الحديث، والمجموعتان هما الكورد والعرب.
وقد حاولت النظم السياسية المتعاقبة منذ تأسيس العراق كدولة حديثة في بدايات القرن الماضي أن تهمش المجموعة الثانية وتبعدها خارج التاريخ ودائرة الضوء وقد استخدمت أساليب متخلفة وبربرية ضدها ولعل أكثرها سذاجة وبدائية تلك المحاولات البائسة التي استهدفت أجزاء من تلك المجموعة (الشبك – الفيليين – الايزيديين) وادعت تارة أنهم عربا أو أنهم اثنيات مختلفة عن الكورد أو إنهم فرق إسلامية مارقة كالايزيديين، ومما يؤسف له انه هناك أصوات أو ربما صدى لأصوات ذلك المشروع العنصري الذي دمر العراق وكاد أن يدمر منطقة الشرق الأوسط بأسرها، لا يزال هذا الصدى يرن على مسامعنا من بقايا ذلك النظام المتخلف والبدائي.
لقد عشنا عربا وكوردا في القسمين الجنوبي والشمالي من الدولة العراقية الحديثة وتأكد لنا ولمعظم الذين تعايشوا في هذا البلد من غيرنا انه هناك وطنين في دولة واحدة إذا اتفق الشريكان،  هما كوردستان والعراق العربي.
وليس غريبا في زمن العولمة والانفتاح والديموقراطية أن تتعايش أقوام واديان في فيدراليات تجمعها (إن شاء الشركاء) دولة متحدة، ولا ضير أن يعيش في كوردستان (إقليما فيدراليا أو دولة مستقلة) كلدانا وعربا وتركمانا أو غيرهم في هذا الوطن والعكس صحيح.

لكن المهم أن لا يحاول البعض تجزئة الكورد مثلما فعل العنصريون قبل 9/4/2003 والعكس صحيح أيضا في العراق العربي.
     إن الشبك و الفيليين والايزيديين ليسوا أقليات بل هم أجزاء أساسية من قومية عريقة وكبيرة هي القومية الكوردية، وشرف كبير أن يدافع هؤلاء عن هويتهم الكوردية بدلا من الضياع في بقايا العفونة والبدائية الشوفينية التي تصنعها دوائر المخابرات الدولية وبقايا تلك الثقافة البائسة التي أوصلت العراق وغيره إلى مستويات متدنية في الحضارة والتقدم.

 

  وان الأعراق الأخرى كالتركمان والكلدان والأرمن والآشوريون وغيرهم مواطنون كوردستانيون أو عراقيون، لهم ما للمواطنين الآخرين من حقوق وواجبات.
إن هويتهم تكتمل بانتمائهم إلى أصولهم التاريخية والانثربولوجية وعلى الآخرين أن لا يقعوا في مستنقعات بائسة عفا عليها الزمن وأصبحت جزء من الذاكرة المأساوية للشعوب العراقية.
   فلا يمكن أن نجزأ عرب العراق إلى عرب الدليم أو عرب الجزيرة أو عرب الفرات الأوسط أو الجنوب إلى قوميات واثنيات لمجرد اختلافهم في بعض المفردات اللغوية في لهجاتهم الدارجة أو مذاهبهم الدينية أو عاداتهم أو بعض تقاليدهم.

   كما لا يمكن للدين أن يكون عرقا أو قومية كما يحاول البعض تصنيع قوميات وأعراق جديدة أساسها الثقافة أو الاعتناق الديني أو المذهبي، فكما إنه ليس هناك قومية إسلامية فليس هناك قومية مسيحية أو يهودية أو ايزيدية، ولم تصنف الأديان والمعتقدات الفكرية أعراق أو اثنيات ذات يوم عبر التاريخ.

   إن ما يجري الآن من محاولات لدى بعض القوى والفعاليات السياسية والهيئات الدينية وبعض دول الجوار ومخابراتها للعزف على أوتار البعثية الشوفينية في تشجيع مثل هذه الحركات البائسة للنمو ما هي إلا عملية إعادة الحياة لنظام بائس أصبح جزءا من الماضي الأسود للدولة العراقية.

فالعراق لم يعد تلك الدولة البسيطة ذات النظام الاجتماعي والسياسي الشمولي الذي يتحكم به فردا واحدا أو حزبا قائدا أو عرقا سائدا.

فقد انهارت تلك الثقافة ومقوماتها المادية، وما تبقى منها مجرد بقايا أفكار بائسة ورفسات لنظام متهرئ سقط وهوى وأصبح جزء من ماضٍ أسود لشعوب العراق والشرق الأوسط عموما.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

دمشق – ولاتي مه – استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الثلاثاء، وفدا من المجلس الوطني الكردي في العاصمة دمشق، برئاسة محمد اسماعيل، حيث جرى بحث عدد من القضايا السياسية والوطنية، وسبل تعزيز الحوار بين مختلف المكونات السورية. وخلال اللقاء، أكد الرئيس أحمد الشرع التزام الدولة بضمان حقوق المواطنين الأكراد ضمن الإطار الدستوري. بدوره، ثمن الوفد المرسوم الرئاسي رقم /13/…

ادريس عمر لنعود قليلاً الى الوراء ولنتذكر سياسة حفر الخنادق التي انتهجها حزب العمال الكردستاني في مناطق كرد تركيا التي أدت إلى نتائج كارثية، كان ضحيتها آلاف الشباب الأكراد، فضلاً عن الدمار الواسع الذي لحق بالمدن والبنية المجتمعية هناك. وقد أقرّ القيادي في العمال الكردستاني مراد قره يلان لاحقاً بفشل هذه التجربة واعتبرها خطأً استراتيجياً. غير…

نورالدين عمر ​تقف جميع القوى السياسية الكردية، في مختلف أجزاء كردستان، صفاً واحداً إلى جانب “روجافا” في هذه المرحلة المصيرية؛ إدراكاً منها لحجم التحديات والمخاطر التي تستهدف الوجود الكردي برمته. ولم يصدر عن أي قيادة سياسية كردية مسؤولة، في أي جزء من كردستان، اتهام أو تشكيك بقيادات قوات سوريا الديمقراطية أو بالإدارة الذاتية، بل على العكس تماماً، هناك إجماع…

سوسن ديكو ما جرى في تجربة الإدارة الذاتية لا يمكن توصيفه بوصفه فشلًا مجتمعيًا، بل إخفاقًا سياسيًا وإداريًا تتحمّل مسؤوليته القيادات التي صاغت السياسات واتخذت القرارات، لا القوى العسكرية ولا الموظفون ولا الفئات التنفيذية ذات الصلاحيات المحدودة. ففي كل تجارب الحكم، تُقاس المسؤولية بموقع القرار لا بموقع التنفيذ، وأي محاولة لنقل تبعات الفشل إلى الحرس أو الجنود أو العاملين في…