مهاجرون في الوطن

علي الحاج حسين

في الصباح الباكر حزمت حقيبتي وغادرت مطار صوفيا إلى أمستردام قاصدا الولايات المتحدة حيث أقيم وينتابني إحساس لا يقل عن شعوري يوم غادرت حلب لآخر مرة قبل عقدين ونيف من الزمن.

تركت مدينتي الجميلة صوفيا، لتشمخ ولا تشيخ… إنها عاصمة جمهورية بلغاريا التي أعتز بحمل جنسيتها، وآوتني وحمتني كغيري ممن نبحتهم الأرانب الشريرة.

وبما أن وزن حقائب السفر محدود وأن الورق والدفاتر أثقل وزنا من بقية حاجياتي ملأت حقيبتي اليدوية برزمة ضخمة من أوراق مراسلاتي لأستفيد من تخفيف الوزن الذي يضرب في قعر الجيب ومن ناحية أخرى أقتل الوقت الضائع في صالات الانتظار في المطارات وأثناء السفر لأرتب أرشيف أوراقي الذي تحول لكومة من الدفاتر والأوراق السائبة لا يجمعها تبويب ولا ضابط، سيما وأني على سفر طيلة اليوم..

تفحصت الأوراق والرسائل، اختصرت وأوجزت وخزنتها في الكومبيوتر المحمول الذي يرافقني ويثقل كاهلي في حلي وترحالي، وأتيت على معظم ملف قدماء السجناء السياسيين والمفقودين في سجون نظام دمشق والذي يحتل الصدارة والأولوية من بين مراسلاتي مع القابعين في الوطن.

ما أن وصلت ميتشيغان حتى ألقيت بأول سلة مهملات قسم كبير من حمولتي الورقية.

كان لابد وأن أعود للتفاصيل المفقودة، بعد أن عرفت أن أحد أبطال مراسلاتي المفقود عاد للوجود، ألا وهو الكردي السوري عبد الباقي حمزة، ويقيم في صوفيا… ولطالما اعتبره العديد ممن يزودني بالمعلومات في الوطن أنه في عداد المفقودين، وبعضهم يقول أنه في دولة مجاورة، ولم أرجح رواية على أخرى، بل تركت الباب مفتوحا لكل الاحتمالات وقتذاك، أما وقد انجلت الغيمة لم يعد ما يعيقني من إظهار مضمون ملخص محتويات ملفي الخاصة بالمهاجر في وطنه فأنقل منها حصته وحده وأتكتم على كثير من الأسماء والحوادث لحساسية وضع أولئك القاعدين في السجن الوطني الكبير.

وستظل القصة مبتورة ما لم تكتمل فصولها ويكشف عن دقائق تفاصيلها لما فيها من آلام وأوجاع لو قسمت بالتساوي على حجر وشجر سوريا كله لأحزنته طويلا:

عبد الباقي حمزة ولد سنة 1965 في قرية خزنة – القامشلي، يحمل الثانوية العامة، انخرط عام 1982م.

في صفوف حزب العمل الشيوعي المحظور، الذي له أكبر رصيد من السجناء بين أطراف المعارضة الليبرالية قاطبة.

في 20/12/1982م.

وعلى إثر اعتقال أحد اعضاء الحزب داهمت عناصر الأمن السياسي منزله، فغادر القامشلي إلى دمشق وبقي متواريا حتى عام 1991م.

لم يلحظ أحد وجوده رغم مشاركته بنشطات وفعاليات مختلفة هناك.

اعتقلت المخابرات شقيقه عبد المناف وأخذوه كرهينة عنه، زج به في سجن صيدنايا من عام 1987م.

إلى أن أفرج عنه سنة 1993م.

بموجب قرار محكمة أمن الدولة الاستثنائية، وطيلة هذه المدة مارست أجهزة المخابرات البغيضة على أهله مختلف أنواع الابتزاز والضغوطات من ترهيب وترغيب، كما تكرر استدعاء والده واستجوابه ومنع أفراد أسرته من مغادرة سوريا.

لما ضاق عبد الباقي ذرعا بالبقاء وأجهده التخفي هاجر إلى كردستان العراق سرا ومكث هناك من سنة 1991م.

إلى 1999م.

وحين أفرج عن معظم أفراد وقيادات حزب العمل قرر العودة متنكرا إلى البلاد.

وتأكد له أنه مازال مطلوبا ولم يشمله العفو ولن يسوى وضعه بالرشوة مهما كانت دسمة كما هو متعارف عليه في مثل هذه الحالات، فغادر مجددا سوريا قبل أن يكشف أمره.
لم تفاجئني حقيقة وجود عبد الباقي حيا فحسب، بل وفي مأمن من المخابرات والمخبرين بذمة وكالة اللجوء واللاجئين التي خدمت فيها قرابة عقدين من الزمن…

ومثل هذا الرجل سوريون كثر رفضوا نعيم الاستبداد الموهوم وفضلوا العيش بكرامة وشرف، كانوا ثلة من خيرة المثقفين السوريين من مختلف القوميات والأديان والطوائف والبلدات السورية، أولئك الساعين للحرية والإنعتاق، ففتك النظام بهم بعنف وقوة، وشرد حوالي ستمائة شخص بين معوق ومشوه ومشرد وسجين..

ابتلعتهم السجون لمدد مختلفة وعلى سبيل الذكر لا الحصر عرفت منهم ياسر مخلوف من اللاذقية قبع في السجن قرابة 12 سنة، منيف ملحم من حمص اعتقل أكثر من 16 سنة، وأخوته، نبيل 6 سنوات، ياسر 10 سنوات، منذر 6 سنوات.

وزوجة منيف لبضع سنوات أيضا.

فاتح جاموس قرابة عقدين من الزمن، عصام الدمشقي سجن 14 سنة، جوان اليوسف من القامشلي سجن سبع سنوات.

خليل حسين من عامودا سجن عشر سنوات وبسبب إعلان بيروت – دمشق اعتقل مؤخرا وأطلق سراحه ويجري البحث عنه الآن.

عبد العزيز الخير حكم بأكثر من عقدين من الزمن على فترات متقطعة.

فواز حسن من عامودا سجن 12 سنة ومشرد حاليا، عبد الكريم كردية من حلب سجن لأكثر من عشر سنوات، فاروق العلي من حوران أكثر من 12 سنة، مروان محمد من عامودا أكثر من 10 سنوات ومازال في وضع مشين، محمد ديب عبد الله حوالي 10 سنوات.الطبيب أيمن داغستاني أكثر من 6 سنوات، عباس عباس (أبو حسين) من دير ماما ثلاث دفعات بحدود 14 سنة وعباس عباس (أبو خلدون) أكثر من 12 سنة.

أصلان عبد الكريم 16 سنة، الأخوين جابر علي ديب وثائر علي ديب من اللاذقية.

حسيبة عبد الرحمن على دفعتين قرابة عشر سنوات، زهرة كردية من السلمية ما يزيد على ثلاث سنوات واعتقل معها ابنها كرم كردية أما زوجها فقتل بأحداث احتراب السلطة-الأخوان.

غرناطة الجندي من السلمية سجنت كبقية البنات حوالي 4 سنوات.

بهجت شعبو أكثر من عشرة سنوات، أما زوجته كانت حبلى وأخذت رهينة حتى يسلم بهجت نفسه، ولدت في الحبس، وبعد سنة أخرجوا الطفلة من السجن، ومع أنهم قبضوا على بهجت بقيت الرهينة بعد اعتقاله لمدة سنة.

مي حافظ أستاذة جامعية في حلب، اعتقلت لمرات عديدة متقطعة وكانت في وضع صحي سيء.

عدنان حيدر بقي حوالي عشر سنوات وكذلك شقيقه.

عبدو عبد المنان من عفرين 4 سنوات، حنيف يوسف من عفرين ما يزيد على أربع سنوات.

شاهر شاهر من دير الزور قرابة 10 سنوات، عبد طعمة (أبو فينوس) من قرية أم حسن على دفعتين بما يزيد على 12 سنة، جديع دوارة من السويداء قرابة 6 سنوات، مروان محاسن من السويداء أكثر من 12 سنة ولا يعرف عنه شيء.

غسان المفلح من حوران أكثر من عشر سنوات، سمير عبدو من القامشلي 6 سنوات، أندراوس أبو مايك من القامشلي 6 سنوات، غسان مارديني من دمشق فوق 12 سنة، غسان قسيس من دمشق أكثر من 6 سنوات.

الشاعر فرج بيرقدار سجن أكثر 12 سنة وشقيقه أكثر من 6 سنوات، وائل السواح من حمص أكثر من 12 سنة، أسامة مصري من حمص أكثر من عشرة سنوات.

الطبيب بسام قاضي من السويداء أكثر من 6 سنوات.

علي البرازي من حماة أكثر من 10 سنوات وعبد الحميد البرازي أكثر من 12 سنة، راشد صطوف من الرقة فوق 12 سنة.

والأديبة هند قهوجي، سجنت 9 سنوات، فضل السقال من حوران لأكثر من 16 سنة، أنور بدر من طرطوس لأكثر من 14 سنة، فارس الشوفي 6 سنوات، فيصل ملحم 7 سنوات، خضر عبد الكريم من الحسكة 6 سنوات وبرأته المحكمة بعد ذلك.

فاضل فاضل من الرقة أكثر من 14 سنة، مصطفى خليفة من الطبقة أكثر من 12 سنة، مجموعة ضباط من الرتب العالية جردوا من كافة حقوقهم وسجن كل منهم لأكثر من 12 سنة وغيرهم مئات من المثقفين والنشطاء الذين ينتمون لمختلف القوميات والأديان والطوائف..

وهكذا قمت بطي صفحة لحالة واحدة من أصل ما يزيد على سبعة عشر ألفا من السوريين المفقودين في سجون سوريا الأسد… وكنت واحدا من الذين طالبوا ويطالبون المجتمع الدولي باستمرار للتدخل والكشف عن ملف المفقودين من على كافة المنابر التي قدر لي صعودها سواء في الكونغرس الأمريكي أو في البرلمان الأوربي والعديد من المؤسسات الرسمية والمدنية في أمريكا وأوربا.

وإلى قراءة قادمة لحالة تالية.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس في مقاربة الصراع الدائر حول إيران، من الضروري التمييز بين ما ترجّحه الاستراتيجية الأمريكية فعليًا، وبين السيناريوهات القصوى التي قد تُطرح إذا تعثرت مسارات الاحتواء. فالتاريخ السياسي لواشنطن يُظهر أنها تميل، في تعاملها مع الدول الكبرى، إلى منهج الإضعاف المنضبط والاحتواء الاقتصادي والسياسي، أكثر مما تميل إلى تفكيك مباشر يفتح أبواب فوضى غير قابلة للسيطرة. لذلك يبدو…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الوقت الذي بدأت فيه الحرب الخارجية فيما يتعلق بإيران، فإن ما يشغل الأذهان هو استبدال الدكتاتورية في إيران. وفيما يتعلق بالدكتاتورية، فإن القوى الرجعية والاستعمارية لن تسمح بوصول «البديل الديمقراطي» إلى السلطة، لأن نظام الدكتاتورية لا ينسجم مع «الحرية والديمقراطية». وحيثما توجد الحرية، فإن الشعب يرفض الدكتاتورية وينبذها بلا شك. الآن، ليس أمامنا سوى ثلاثة خيارات…

كردستان يوسف في اللحظة التي تتهاوى فيها أسطورة أنظمة الاستبداد إلى الأبد، تشرق شمس الحرية، وهذا كان حال أنظمةٍ كثيرةٍ في الغرب والشرق، فسقط صدام حسين ومعمر القذافي ومبارك وحسن نصر الله وبشار الأسد ومادورو، وها هو الخامنئي كشخصية استبدادية آيل إلى السقوط، وسينتهي النظام الإيراني المتعجرف، نظام الملالي الاستبدادي، الذي أمسك بزمام إمبراطورية العتمة والإقصاء لخمسة عقود مضت، والذي…

حسن برو عند التأمل في خريطة النفوذ في سوريا، يتبين أن السؤال المركزي لم يعد محصورا في: من يحكم الدولة؟ بل تطور إلى سؤال أكثر عمقا وإلحاحا: هل ما زالت هناك دولة فعلا، أم أن منطق العشائر و«الفزعات» أصبح الأداة الأساسية لإدارة الشأن العام؟ خلال سنوات الصراع، لعبت العشائر أدوارا متباينة، لكنها في كثير من الأحيان كانت أدوارا وظيفية أكثر…