أزمة الديمقراطية أم أزمة في الوعي المُستَبِدّ… ؟!

 م .

بافي زين

في ظل تنامي وبلورة الملامح الأساسية للنظام الكوني الجديد, بعد انهيار الاتحاد السوفيتي, وتخليه رسمياً عن فكرة بناء المنظومة الأممية بقيادة الطبقة البروليتارية العالمية, وبعدها تشظَّت الدول الاشتراكية, واختفت الحروب الُمستَتِرة بين قطبي الصراع , فأدى إلى بروز مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان, كأهم سمة من السمات الأساسية للنظام الجديد
وفي الوقت التى تنحسر الحدود والحواجز للدولة القطرية, ونظمها الشمولية, في منطقة الشرق الأوسط , وسهولة اختراقها أمام دَوْلَنَة الكون, كوحدة موحدة, وشَرْعَنَة تدخل القوى العظمى, واستحواذها على القرار الدولي, عبر منظومة الأمم المتحدة, للتدخل في الشأن الداخلي بيسر وانسيابية, في أية رقعة من المنطقة, تحت يافطة انتهاك حقوق الإنسان والحريات العامة0  أن هذه الحالة ستضع الأنظمة الشمولية والمتحجِّرة, أمام جملة من الاستحقاقات قد تكون  صعبة أو حتى قاتلة, من أبرزها التنازل عن الفردية أو الفئوية في إدارة دفَّة البلاد, على كافة الصعد السياسية, والاقتصادية والثقافية, لعدم قدرتها الصمود طويلاً أمام رياح التغيير التي وصلت نسائمها إلى شتّى زاويا   المعمورة , من خلال السرعة الهائلة في المتغيرات الكونية الجارفة, لكل المعيقات التي تقف عثرة في طريق تقدمها, ولا بدّ من أن تبحث النظم بشكل جاد عن الحلول الجذرية للمسائل الشائكة, التي تمس المواطن في الصميم والتي لا تقبل التأجيل تحت أية ذريعة ( مسألة الديمقراطية, الحريات العامة, التداول السلمي للسلطة, إيجاد قانون عصري للأحزاب , رفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية ) .


إن هذه الإجراءات من شأنها حماية الوطن وتحصينه أمام المخططات والمشاريع التي تستهدف النيل منه, وتالياً على النظم المستبِّدة أن تستفيد من المدِّ العارم لموجات الديمقراطية الذي يجتاح الكون وتقتنع تماماً ,بأنها نابعة من متطلبات مجتمعاتها, وضرورة أولية لنقل المجتمع من حال إلى حال أفضل ، والديمقراطية كفعل اجتماعي, تجمع بين ثناياها بعضاً من الإشكالات وعديداً من المحاسن , وأما الإشكالات فهي تكمن في البناء الاجتماعي, ومستوى تطور الوعي المعرفي ، ونوعية البنية السياسية السائدة في الدولة المعنية .

وبما أن الديمقراطية ظاهرة مجتمعية عالمية تاريخية وأحد الأساليب في إدارة السلطات ، فهي مقرونة ومرتبطة ببعض الأساسيات : منها وجود طبقة اجتماعية تُؤمِن بالليبرالية كأرضية اقتصادية متنامية ، ومع وجود دولة وطنية ، وانطلاقاًً منه ، فالديمقراطية هي محصلة لصيرورة تاريخية اجتماعية لتجارب الشعوب في حكم المجتمعات ، لا نستطيع نقلها أو استنباتها إلا في التربة المخصصة لها ، و إلا ستذبل وتفقد قيمتها ،وقد تتشوّه في التطبيق ، وبالتالي فهي مرتبطة بشكلٍ وثيق بإرادة المجتمع ، ومدى تقبله لها .
ويمكن إيجاز المحاسن بـالاستقرار السياسي العام , و تدني مستوى الفساد واختفاء حالات الفقر والمجاعة,  وانخفاض نسبة قتل الشعب, السعادة وأن معظم الدراسات توحي بانخفاض مستويات الفساد بشكل كبير نتيجة الرقابة الصارمة على أداء المؤسسات من خلال وسائل الإعلام الحرة وكذلك  تؤكد الإحصائيات بوجود علاقة تبادلية بين مفاهيم الديمقراطية وارتفاع معدلات إجمالي الناتج القومي للفرد وازدياد الاحترام لحقوق الإنسان, وانخفاض معدلات الفقر.

وتشير البحوث إلى أن الأمم الأكثر ديمقراطية أقلّ تعرُّضاً لحالات انتهاكات حقوق الإنسان ( من قتل واعتقال وغير ذلك ) من قبل حكوماتها؛ فكلما ازدادت جرعة الديمقراطية في دولة ما, ارتفع معدل سعادة الشعب ورفاهيته .


ولابد من التذكير بأن عملية تطبيق الديمقراطية قد تواجه بعض الصعوبات, منها : ماهية البنية السياسية للسلطة الحاكمة ، ومدى إيمانها بجوهر القضية, وتطور الشأن السياسي العام في الدولة المعنية .

ولا يخفى أن معظم الحكام الدكتاتوريين يتشدقون بدعم ” الديمقراطية ”  ويتظاهرون بوجود فسحة كبيرة من الديمقراطية في بلادهم ، وذلك عن طريق خلق وتشكيل بعض المؤسسات الديمقراطية في الشّكل والمظهر  وإجراء انتخابات صورية ومعروفة النتائج سلفاً, وتكوين برلمانات نيابية، فاقدة للشرعية الجماهيرية ، ورعاية الأحزاب الذيلية التي لايتعدى عدد أعضائها مجموع قياداتها والتابعة للحزب الحاكم ، والاهتمام ببعض أشكال مؤسسات المجتمع المدني كالنقابات الحرفية والمهنية والاتحادات التي تُدَار بالتوجيه المباشر من قبل الأجهزة الأمنية والسلطوية ، وبهذا الفعل المنظم تحاول الأنظمة الاستبدادية دائماً إفراغ العملية الديمقراطية من محتواها الحقيقي من خلال التضييق على الحريات العامة ، وعدم إفساح المجال للقوى السياسية الفعالة خارج دائرتها وفلكها الحزبي والأمني ، وبالتالي حرمان الجماهير والقوى الشعبية من المشاركة الفعلية والحقيقية في انتخاب ممثليها الكفوئين وإيصالهم إلى مركز القرار في المؤسسسات التشريعية والتنفيذية، لذا تغدو الديمقراطية لدى تلك الأنظمة لعبة سياسية قذرة تهدف من ورائها تجميل و إخفاء عيوبها ومساوئها ووسيلة ناجعة للتزوير والتلاعب وتهميش الآخر من أجل الاستحواذ على المزيد من المكاسب والامتيازات .


 إن الوقت قد حان لتدرك النظم الحاكمة بأنَّ زمن الشّعارات الخشبية الثوروية النارية والتلاعب بمشاعر الناس ومصيرهم ، وتأجيل المسائل المصيرية والمتعلقة بمعيشة ورفاهية وتطور المجتمع والتحكم بالشأن السياسي الداخلي بذريعة مواجهة الخصم والعمل على إجهاض المؤامرات الخارجية التي تحاك ضد الوطن قد ولَّى، وبات أمرهم مكشوفاً ، فالشمس لا تُحجَب بالغِربال كما يُقَال ، فما عليهم ، في هذه الحالة – مع إدراكي بأنها قد تلعب في الوقت الضائع- سوى التخلي عن الأطر الشكلية والشعارات الجوفاء والتغني بوجود مساحات هائلة من الديمقراطية عبر خطاباتهم الخشبية والخارجة عن سياقات الزمان والمكان بدلاً من الغوص في ثناياها ، ومقاربتها لواقع مجتمعاتها, وتقتنع بأن المفهوم الديمقراطي ليس سبباً للأزمات الوطنية على المستوى الخارجي وأنه لايعني الفوضى ، ولا إضعافاً للوحدة الوطنية في الداخل ، وتطبيق الديمقراطية ليس الممر الآمن والمعبَّد للتدخلات الخارجية المعادية كما تروِّجها وسائل الإعلام الناطقة بلسان حال تلك النظم بل إنها – الديمقراطية – تعتبر من أهم الوسائل المعرقلة والمانعة لأية تدخل ومن أية جهة كانت وقد تكون الطريق الديمقراطي هو الأسلم والأفضل لمعالجة المشاكل والأزمات الوطنية على المستويين الخارجي والداخلي وتعتبر الديمقراطية في جوهرها وسيلة بل أداة عملية لضمان الأمن والسلم الداخلي ، والحرية الشخصية وتبقى الضمانة الأقوى لإفشال المشاريع التي من شأنها أن تستهدف الحالة الوطنية العامة والوحدة الوطنية وعليه فإن النظم الآيلة للسقوط  أمام خيارين لا ثالث لهما : فإما التنازل عن دكتاتوريتها وتختار لنفسها ولشعوبها نظاماً ديمقراطياً وسلمياً وتداولياً معبراً عن هويتها ومناسباً لعصرها وظروفها،  أو أن تنتظر وصول عواصف التغيير التي تهب من كل الاتجاهات  فتقتلعها من جذورها فلا تبقي ولا تذر, حينها لا تنفع الندم وستلحق بهم ندامة الكُسَعِي .

  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…