التغريبة الكُردية..

حسين جلبي

أصبحت المُعادلة الكُردية السورية ـ المُعقدة أصلاً ـ مُستحيلة الحل، فمع مرور كل يوم يغوص الكُرد أكثر فأكثر ـ أو يغوّصهم البعض ـ في الرمال المتحركة التي ليس لها سوى مخرج واحد يؤدي الى ما وراء الحدود.

ليس ذنب الكُرد أن النظام لم يقصفهم بطائراته و لم يسلط عليهم نيران مدافعه و قذائف دبابته منذُ بدء الثورة إلا نادراً، فقد أستدعته  حناجرهم الهادرة كغيرهم، لكنه لم يلبي نداء المُنازلة وجهاً لوجه و راح يُراكم بدلاً من ذلك شروره إلى وقت الحاجة، و ها هو يسلط عليهم اليوم نيران ذلك الشر المحكم دفعة واحدة بعد أن كان الكُرد قد أنهكوا أنفسهم في السباحة في بحر الثورة.
يدرك المسلحون الذين يعتدون منذُ مُدة على المدنيين الكُرد، يختطفونهم و يهجرونهم و يستولون على بيوتهم و ممتلكاتهم، يدركون عدم مشروعية أفعالهم، فلا الأديان السماوية ترضى بأخذ البرئ بجريرة المذنب، و لا الشرائع الوضعية ترضى بمعاقبة مدني على إفتراض إرتكاب مسلحٍ ما في جهته لذنبٍ يستوجب الملاحقة، فأين هي الآيات التي تبيح لهؤلاء الأدعياء ما يفعلونه اليوم بالمدنيين الكُرد في تل عران و تل حاصل؟ و أين هي نصوص القانون التي تبرر ما يفعلونه؟ إنها لعبة عبثية تُمارس، أداتها هم هؤلاء المسلحون، لا تصب نتائجها سوى في طاحونة النظام، لكن هؤلاء يدركون إضافةً إلى ذلك أنهم لا يستطيعون إلحاق الأذى بهذه الطريقة البربرية بخصومهم المسلحين على الجانب الكُردي.
الكُرد السوريون لا يكرهون الثورة، لقد إنتظروها طويلاً و كانوا من أوائل من رحب بها و إنضم إليها عندما جاءت فوسعوا بذلك رقعة المقاومة ضد نظام الأسد، ما يحصل الآن في مناطقهم هو الثمن الآجل لإشتركهم العاجل في الثورة، ليس أكثر، لذلك ينبغي أن يكون ما يتعرض لهُ الكُرد الآن في مناطقهم دافعاً لمؤازرة باقي السوريين لهم، ينبغي على المعارضة السورية أن تقفز على خلافاتها مع المعارضة الكُردية و تثبت أنها تمثل كل السوريين من عربٍ و كُردٍ و غيرهم فتدين ما يتعرض لهُ المدنيين الكُرد و تدعوا إلى وقف المجزرة التي تجري ضدهم و ترفع الغطاء عمن يقوم بها، هذا إذا أرادت أت تحترم نفسها و تكسب بعض المصداقية في الشارع الكُردي.
يجب على الجميع أن يسمو فوق العصبيات الصغيرة و يتحلى بالحكمة، صراع السيطرة على المنطقة الذي وقوده مدنيون كُرد، و هو إذ يكلف هذا الثمن الباهظ، إضافةً إلى عدم وجود النظام ضمن أهدافه المباشرة، يجعلهُ إنتحاراً و يهدد بتحويل المنطقة إلى أراضٍ محروقة لم يبذل فيها النظام فيه سوى عود ثقاب.
jelebi@hotmail.de

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…