رواية «الأب باولو»

 إبراهيم اليوسف

بدهي، أن أية قراءة للحدث، سواء على صعيد الواقع أو الأدب والفن، تبين- وبجلاء- أن طاقات أية شخصية، لا يمكن إظهارها لمن حولها، كي تغدو مرئية على”طاولة التشريح”، وهي التحليل، والبحث، والاستقراء، خلال سير دورة الزمن، وفق إيقاع عادي، رتيب، من شأنه أن يقدم الرؤى، والوجوه، على غير ما هي عليه، وكأن دورة الحياة تفرز مع سيرورتها الغبش، والضباب، وكل ما يحول دون النفاذ إلى جواهر الأمور، حيث في مكنة الزائف تقديم ذاته في مظهر المخلص،
 كما أن المخلص، قد يبدو الأقل قدرة على إيصال صورة خصوصيته إلى الآخرين، ولعل سبباً جوهرياً يكمن-هنا- متجسداً في ترفع هذا الأنموذج عن ذلك، لانشغاله بالمهمة الأكبر وهي أداء رسالته، من دون التفكير بأي  تنظير لذلك،  ولعل البلبل الذي دأب التغريد، أو النهر الذي دأب على السير تجاه العناوين الظامئة التي تنتظره، لا وقت لكل منهما لفلسفة ما يقوم به، وكأننا أمام فعل لا يحتاج إلى التوسل عما يجعله ضمن دائرة الضوء، مرئياً، لأنه-وباختصار معادل الضوء،في الوقت الذي يبدو ما هو غير ذلك على نحو أوضح.

 
“الشدائد محن الرجال”أو” معادن الرجال تظهرها المحن” و غيرهما من المقولات التي تختزنها الذاكرة البشرية، على امتداد ترجمات اللغات، كجزء من الأقوال المأثورة التي اختطها الإنسان عبر تجربته، ولقد جاءت ثورات ربيع المنطقة كي تعيد الاعتبار للأسماء، والمسميات، وتقدم الناس على حقائقهم، في مراياها، فتذهب هالات وهمية عن بعضهم، وتنصف آخرين، لا من قبيل إعادة الاعتبار إليهم- وهم المعتبرون-بل لتقدمهم على ما هم عليه.

ولعل الأب باولو”أو الراهب بولس” الذي جاء إلى سوريا زائراً في العام 1982، متوجهاً إلى أحد أديرتها القريبة من دمشق، على أن يقيم فيه لمجرد أيام كما تقتضي تعاليمه الروحية، سرعان ما ألف المكان، وقرر البقاء فيه، كي يستمر به المقام ثلاثين عاماً، يجد فيه مكاناً أول، وهل أقرب إلى هذا المواطن الطلياني أرومة،  من أن يصل به الحال، وهو يؤدي المهمة الفعلية المطلوبة من رجل دين مثله، كي يقول كلمته في نهر الدماء الذي يسيل، دون أن يصده عن ذلك أي وعيد، أو شبح خوف، بل إن الرجل لا يتوقف عند هذا الحد، عندما يرفع صوته، في نطق كلمة الحق، أمام هجمة التزوير، ليحقق ليس”حوار الأديان” بل توأمتها، عندما يجد تمادي تلك الهجمة، وهي تنال من مواطنيه الاختياريين،  مايؤدي  بأولي الأمور الحريصين على مواجهة كل من يقول لهم:”لا”، حتى وإن كان زاهداً، خيراً، إنساناً، مخلصاً للمكان، وأهله، كي يصدر قرار إبعاده عن حدود المكان، وهو مالا يمكن، لأن الرجل يتصرف بعد أن يضطر مكرهاً على أن يطرد خارج فضائه، الفضاء الذي طالما تفاعل فيه مع الجيل الجديد، ولم يتوان عن وضع بوصلة روحه أمامهم، قائلاً لهم: تلكم هي الطريق.!!.””، ما جعله يختار مكاناً آخر، أمكنة أخرى، على مقربة من ذلك العنوان، يتسلل إليه، أنى استطاع، لاسيما عندما يسند إليه تقديم برنامج تلفزيوني، يلتقي فيه الناس، كي يقولوا جميعاً كلمتهم، من أجل إيقاف مجزرة الإنسان المفتوحة، وإن كان في مثل ذلك التسلل، الجريء، خوف ممن يسميه”قاتلاً”، من دون أن يخطر بباله، أن في زيارة له، لمدينة”هارون الرشيد”، كي يقرأ الفرات وهو يحمل أنين وحمرة دماء أهله، بعد أن تخلصت من الأصفاد التي طالما عانت منها، كي تعلم  أن هذه المدينة، وأناسها، إنما يقعون بين براثن قاعديين، جهلة، سرعان ما اختطفوها، كما يختطفون الثورة، كما هذا الراهب الإنسان، و” عدسته”، ومن يرافقه، وهو أحد أهم شخصيات الرواية التي تكتب الآن، من قبل رواة- ما أكثرهم في العمارة الكونية- ينقلون تفاصيل كل ما يجري أمام أعينهم، وهم يعضُّون على الأصابع، كلما بدا أمام نواظرهم دبيب” دود الخل”الغريب، الذي اقتحم مملكته، كي  يكمل لوحة الدمار والقتل، أصالة، ووكالة..!
elyousef@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…