المعادلة المفقودة بين العقل والسلاح

  لقمان عبد المجيد

إن موضوع هذه القراءة تلخصه عبارة شهيرة للأديب الكبير مكسيم غوركي, هي قوله: “ينبغي علينا أن نسلح عقولنا قبل ان نسلح أيدينا”, ولعل غوركي لا يقصد من ذلك سوى ضرورة الاحتكام إلى العقلانية فالدراية والمعرفة من خلال تبادل الاراء فالحوار والمناقشة قبل الإقدام على استخدام ما نمتلكه من قوة مادية فنُهلك جميعا.

                                                               

ومن المنظور ذاته يندرج اقتتال الأخوة من أبناء الشعب الواحد خدمةً لمصالح الآخرين ولتحقيق أهداف وغايات لاتمت بالقضية التي حملوا من أجلها السلاح بصلة.
من ابشع الصور المؤلمة لاستخدام السلاح بعبثية  في تاريخنا الكردي القريب هو ما جرى في صيف 1996 من صراع دموي مرير بين الديمقراطي الكردستاني واالاتحاد الوطني الكردستاني, الأمر الذي أسفر عن مقتل اكثر من اربعة الاف كردي.

علّق ديبلوماسي أمركي على ذلك قائلاً : “لو لم أكن أعرف منذ زمن بعيد أسباب فشل الأكراد في إقامة دولة خاصة بهم, لأدركت اليوم هذه الأسباب”, ويفسر ذلك بكلمات أخرى أن من يشهر سلاحه في صدر إبن جلدته الذي يقاتل معه في خندق واحد تحت أي مسوغ أو حجة كانت يستحيل عليه أن يقيم دولة ويحمي شعبه من هجمات أعداءه وخططهم.


الاقتتال الكردي الدرامي كان له جولة في أواخر سبعينات القرن الماضي, وهذه المرة في الجانب الاخر من الوطن, قبل أن ينقض الجنرال كنعان ايفرين بإنقلاب عسكري على حكومة اجويد, كانت عمليات التصفية الجسدية جارية دون هوادة بين عناصر العمال الكردستاني والديمقراطي الكردستاني مثلا, وكنا نسمع دوي الرصاص في وضح النهار من مدينة مجاورة لمدينتنا هي نصيبين.

            
في السياق ذاته, وفي الوقت الذي تمر به المنطقة من ظروف عصيبة وما يجري من أحداث خطيرة بل ومصيرية, وفي انتظار المجهول القادم الذي يهدد شعبنا, تكشف التطورات  الأخيرة عما ستفسر عنه  انتهاكات (حزب الاتحاد الديمقراطي) من خطف وتهديد وإهانة للآخر المختلف سياسياً وفكرياً معه, من نسف للمفاهيم والأفكار التي تطرح لوضع أسس صيغة عمل سياسي كردي مشترك, فالخطف ومضاعفاته وتبعاته الوخيمة والذي يعد عمل إجرامي بكل المقاييس دخيل على الحياة الحزبية وينافي قيم ومبادىء ممارسة العمل السياسي السليم, يعمل على تحقيق أكثر من هدف هدام في مقدمتها تشكيل عقبة كبيرة في طريق أي تعاون مشترك من خلال انعدام الثقة وصدق التعامل في الصف الكردي, الأمر الذي بدأنا  نلمسه بوضوح في أداءعمل (الهيئة الكردية العليا) التي دخلت في نظر الكثير من المتابعين في طور الاحتضار و التي من المفروض أنها تمثل صفوة العقول السياسية للأحزاب والفصائل الكردية المنضوية تحت لوائها, بما فيها حزب الاتحاد الديمقراطي, وليس آخرها اتساع دائرة الكراهية واالانتقام لتتحول اسفيناً ضد أي تقارب كردي مستقبلاً, فيترصد العدو الدوائر لضرب الكرد ولو بعد حين, بعد أن تيقن مرة أخرى سهولة المراهنة على شق وحدة الصف الكردي إذا لاحت بوادره وتمزيق ارادته السياسية دون عناء.

  
خرج الاتحاد الديمقراطي بعملية قيصرية من رحم العمال الكردستاني في ظروف أقل ما يُقال عنها غامضة وملتبسة, وكغيره من الأحزاب لم يحمل في جعبته أي طرح تغييري أو ثوري, ولا حتى برنامج أو استراتيجية واضحة بشأن القضية الكردية في سورية, ولأنه كان الوريث الشرعي السوري لفكر وسياسة العمال الكردستاني فقد ظل أميناً لنهجه منفكاً عن بقية الأحزاب الكردية القائمة قبل ولادته, وظل لهذا أسير ثقافة رفض الآخر الذي لا ينتمي إليه حزبيا, بل إقصائه ونفيه من الساحة السياسية إذا تطلب الأمر للاستئثار بها بشكل قطعي, أي بتعبير آخر فرض الهيمنة الحزبية بالقوة والبطش, الأمر الذي ينافي أبسط أصول التعامل السياسي مع الآخرين الذين لابد من مشاركتهم ,والبحث عن حلفاء وشركاء منهم , لتوسيع وتقوية الصيغة السياسية  كخيار لايمكن التخلي عنه والذي يسعى من أجله الجميع, وحتى في حالة معارضة ذلك فيجب من أجل الممارسة السياسية الصحيحة المساهمة إذا أمكن في توفير المنابر ومساحة إبداء الرأي للخصم السياسي المعارض ليقول مالديه دون خشية منه ودون ارهابه.

يقول جاك روسو “قد أختلف معك بالرأي لكني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً كي تعبر عن رأيك”.

ومن دون تعليق نقرأ :(خرجت مظاهرات في بعض المدن الكردية إحتجاجا على ممارسات أعضاء من الاتحاد الديمقراطي السوري, حاملة لافتات تطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في أقبية الحزب) أسئلة تثور: بأي حق يُخطف الكردي أو يُعتقل؟ ماهي جريمته؟ من نصّب الشبيح محققاً؟ من رخّص بفتح أقبية وسجون للنظام أو الحزب؟ لمصلحة من يتم كل ذلك؟  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عبد السلام برواري تحل الذكرى الثمانون لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في السادس عشر من آب ١٩٤٦، وهي مناسبة تتجاوز الاحتفاء بتاريخ حزب سياسي إلى قراءة تجربة ارتبطت، منذ بدايتها، بمسار الحركة التحررية الكوردية وتطور القضية الكوردستانية في العراق. فقد جاء تأسيس الحزب في مرحلة كان الكورد قد خاضوا خلالها ثورات وانتفاضات عديدة، وقدموا تضحيات كبيرة، إلا أن معظم تلك…

المهندس نذير عجو / هولندا لا جدال حول الهوية الإنسانية المشتركة للبشر، والتي تأخذ مكانها مع أية هوية أخرى، تلازم الإنسان ولادةً أو موروثاً أو قناعةً؛ حيث الانتماء الأثني بالولادة، وبالتالي الهوية القومية التي ترتبط بحد ذاتها بجغرافيا معينة تتعلق بتلك القومية، تلك الجغرافيا التي تطورت حضارياً لتأخذ هوية إضافية عُرّفت بالوطنية، والموروث العقيدي وتشعباته الطائفية المأخوذة من المحيط الذي…

اكرم حسين يأتي التحضير لعقد المؤتمر الخامس للمجلس الوطني الكردي في سوريا في لحظة سياسية مختلفة جذرياً عن تلك التي تأسس فيها المجلس، الأمر الذي يجعل من المؤتمر محطة تتجاوز حدود التجديد التنظيمي أو انتخاب هيئات قيادية جديدة، لتتحول إلى مناسبة لإعادة تعريف وظيفة المجلس ودوره وأدوات عمله في المرحلة السورية الجديدة. فالمجلس الذي تشكل في سياق الثورة السورية…

أكثر من مقال وتعليق ، مع الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود   صحيفة – في عام ١٩٣٠، عقب انتفاضة آكَري، ارتكبت الدولة التركية واحدة من أفظع المجازر في التاريخ ضد الكرد في وادي زيلان Gelîyê Zîlan . حيث أحرقت ٤٤ قرية كردية، وقتلت بوحشية أكثر من ١٥ ألف شخص. واستخدمت صحيفة جمهوريت في أخبارها آنذاك عبارة “وادي زيلان مليء بالجثث…