إذا لم تستح فاصنع ما تشاء

المحامي مصطفى إبراهيم

في الخامس من حزيران الجاري عمت الأفراح والليالي الملاح دمشق وطهران والضاحية الجنوبية من بيروت للنصر (الإلهي) الذي حققه مرتزقة حزب الله والحرس الثوري وكتائب العباس في مدينة القصير على مجموعة من ثوار سوريا بعد حصار دام ثلاثة أسابيع مع استمرار القصف عليها بمختلف صنوف الأسلحة وتدمير أحيائها على رؤس قاطنيها ويحتل هذا اليوم الصفحة الأكثر سواداَ وعاراَ في تاريخ سوريا الحديث كما إحتل يوم الخامس من حزيران عام 1967 حين أصدر وزير دفاع النظام الجنرال حافظ الأسد قراره (التاريخي المذل) بانسحاب القوات السورية من الجبهة انسحاباً كيفياً مما دفع بقائد الجبهة الجنرال أحمد المير بنزع رتبه العسكرية وجميع النياشين وأوسمة الشجاعة التي نالها في معاركه ((البطولية)) ورميها في سلة النفايات والتنكر بزي درويش شحاذ والوصول إلى دمشق على ظهر حمار أرقط فقدمت هضبة الجولان على طبق من ذهب لإسرائيل بحسب تقييمات جميع المحللين العسكريين في العالم .

وعليه من الظلم والإجحاف إعتبار ما حصل في القصير انتصارا لمليشيات حزب الله على قلة قليلة من ثوار سوريا بل هو انتصار رمزي معنوي لبوتن وخامينئي ونصرالله والمالكي وهزيمة منكرة مذلة لأوباما وأردوغان وكاميرون وهولاند بجميع المعايير الأخلاقية بعد أن منحوا ضمائرهم وقيمهم إجازات طويلة .
  فلئن ضربنا كشحاَ على تهديدات أردوغان العالية النبرة منذ بدايات الأزمة السورية وخطوط أوباما الحمراء وتحذيرات بعض قادة الاتحاد الأوربي فالبيت الأبيض الأميركي ووزارة الخارجية طالبت منذ يومين ولا زالت تطالب حزب الله بسحب مرتزقته من سوريا (فوراً) فيما كان رد الأخير زج المزيد منها على الساحة السورية طولاَ وعرضاَ وهي ترتكب أفظع الجرائم وأشنع الموبقات بحق شباب وحرائر الشعوب السورية وما حصل في القصير هي بداية البداية ربما سيكون القادم أعظم فيما لا يزال سيد البيت الأبيض يطلب المزيد من الأدلة والبراهين حول استخدام النظام للأسلحة الكيمياوية رغم الكم الهائل منها التي وفرتها له المنظمات والهيئات الدولية ولجان حقوق الإنسان وأن فرنسا وبريطانيا (سيفكران) بتزويد المعارضة بالسلاح على ضوء ما سيتمخض عن محادثات مؤتمر جنيف المحتمل انعقاده مستقبلاَ .
المعارضة غير موحدة وهناك مجموعات جهادية متطرفة بين صفوف الثوار يقاتلون (الملائكة والقديسين) والوضع الجيوسياسي والجغرافي المعقد لسورية هي التي تحول وتقف حجر عثرة أمام تدخلهم في الأزمة السورية أقلها تزويد الثوار بالسلاح والشعب السوري بالمعونات الإنسانية من غذاء ودواء وكساء وأمكنة آمنة للإيواء تلك الاسطوانات المشروخة والسمفونيات المقززة للأحاسيس والمشاعر الإنسانية تذكرنا برد تشرشل على مناشدة واستغاثة الشعب الارمني إثناء حملات الإبادة  التي شنتها عليه الطغمة التركية في عشرينات القرن المنصرم (إن الأسطول البحري لبريطانيا العظمى لا يستطيع تسلق جبال آرارات) ولئن خابت آمال الشعوب السورية وثوارهم من مواقف الأسرة الدولية حيال مأساتهم الإنسانية حديثاَ فإننا نحن الكورد قد تآلفنا وتأقلمنا مع تلك المواقف المخزية وتجرعنا من هذا الكأس منذ عدة عقود حين أباد النظام العراقي البائد توأم النظام السوري برسالة الأمة العربية الخالدة مئات الآلاف من أبناء وبنات الشعب الكوردي في حملات الأنفال واستعمال الغازات السامة في حلبجة الشهيدة وتشريد مئات الآلاف إلى دول الجوار وباقي بقاع الأرض فكان صمت المجتمع الدولي بما فيه العربي والإسلامي كصمت أهل القبور فترسخ لدينا القناعة واليقين بأن لا أصدقاء لنا سوى جبالنا.
ويقيناَ بعد كل المآسي والمحن والكوارث التي عاشتها الشعوب السورية منذ سنتين ونيف وربما المسلسل في حلقاته الأولى وحيال المواقف الانتهازية المخزية للأسرة الدولية وزعيمة العالم (الحر الديموقراطي) لم يبق أمام قيادات الثورة السورية سوى مخاطبة مقاتليهم على الأرض كما خاطب القائد طارق بن زياد جيشه على البر الاسباني بعد حرق السفن التي نقلتهم (البحر من ورائكم والعدو من أمامكم فليس لكم إلا الصبر والصمود)
                      فلا نامت أعين الجبناء.
سياسي كوردي سوري

      كوردستان – مصيف صلاح الدين   في   7/6/2013

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…