الكورد في دمشق..معاناة طويلة ومسيرة كفاح ونضال منسية

فيصل سفوك

علاقة روحية خاصة تكاد لاتنقطع بين ذاكرة كل كوردي زار دمشق أو أقام فيها أو حتى شرب ماءً من عين فيجتها, وبين ملامح هذه المدينة الوديعة بشوارعها وجنائنها وأزقتها القديمة وبيوتها المتلاصقة وجبالها الشامخة, ولكلٍ منها حكايات وقصص ممتعة ترسخت في ذاكرته , دمشق والتي ورد ذكرها في أمثالنا الكوردية الشهيرة ” شام شكره لي ولات شيرين تره “, تتأكد أهميتها و مكانتها لدى الكورد من خلال هذه المقاربة اللطيفة , و بعيداً عن التغزل والمدح و البكاء على الأطلال ,
وإذا ما نظرنا إلى دمشق من منظار سياسي, فأنها تبقى عاصمة و مركز القرار في حل القضية الكوردية في سوريا , والتي للأسف بدأت تغيب عن أذهان معظم الساسة والمثقفين الكورد , رغم أن أبوابها بقيت ولاتزال مفتوحة لجميع شرائح المجتمع الكوردي , واحتضنت الكثير منهم أمثال : المناضل أوصمان صبري والشاعر الكبير جكرخوين والسياسي والمناضل نورالدين ظاظا وغيرهم , ولازالت تحتفظ برفاة أبرز الشخصيات الكوردية في مقبرتها الشهيرة ” مقام الشيخ خالد النقشبندي ” أمثال: الأمير جلادت بدرخان مؤسس الأحرف الكردية والأميرة روشن بدرخان والشاعر قدري جان والكاتب محمد برزنجي صاحب كتاب تعليم اللغة الكردية والعديد من الشخصيات البارزة .


تضم دمشق أكبر تجمعين للكورد , إلى جانب العديد من الأحياء الأخرى , وتعيش في أحياء من ريفها عائلات كوردية كثيرة :
1- حي الأكراد (ركن الدين) : يسكنه  الكورد منذ حوالي عام 1179 ميلادي في الفترة الأيوبية (أكراد الشام الأصليين) ,أصحاب الحي و مؤسسوها , ورغم كل أساليب التذويب والإقتلاع وطمس الهوية على مر العصور ,حافظوا على هويتهم القومية ,بالرغم من تأثرهم بالوسط والبيئة العربية الشامية , ويسكن هذا الحي عائلات انحدرت من مناطق مختلفة من كوردستان ,لقبوا بأسماء مناطقهم أو عشائرهم نذكر منها : وانلي و ديركي و مللي و دقوري وكيكي و عباسي وأومري و بارافي وظاظا و ديار بكر لي و أورفه لي و أيوبي وآله رشي و ميقري و شيخاني ومتيني و الملا وعائلات أخرى لكثرتها أعتذر لعدم ذكرها جميعاً , ويعيش إلى جانب هؤلاء الألاف من أخوتهم من باقي المناطق الكردية, نتيجة للهجرة الإقتصادية .
2- حي زور آفا (وادي المشاريع) : يسكنه غالبية الكورد اللذين هاجروا إليها منذ مايقارب ثلاثة عقود , نتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة , وسياسة الأرض المحروقة التي مورست على مناطقهم , وسياسة التجويع التي طبقت بحقهم , من قبل أنظمة البعث المتعاقبة , وهم اللذين بنوا هذا الحي وبسواعد أبنائها .
لايخفى على أحد دور ومكانة الكورد في دمشق الكبير في تاريخ سوريا القديم والحديث ,نتذكر جميعاً وقوف أبنائها إلى جانب أخوتهم من الشعب السوري في مقاومته الإستعمار الفرنسي ,حيث برز العديد من قادة الثورة ورجالاتها الوطنيين الكورد , وفي مقدمتهم الثائر إبراهيم هنانو والمجاهد أحمد بارافي , وكذلك الشهداء الذين سقطوا على أرض فلسطين في ثورةالشعب الفلسطيني عام 1936م أمثال :أبو حسين كلعو و أبو محمدالبوطي .
ولم يتوانى الكورد في دمشق يوماً في الكفاح و النضال إلى جانب أخوتهم في باقي المناطق الكوردية من أجل قضيتهم العادلة , فلاننسى دورهم في انتزاع عطلة عيد النوروز “العيد القومي للشعب الكوردي” كعطلة رسمية في 21 آذار من كل عام , ومن خلال مظاهرتهم العارمة عام 1986م  , ووصولهم إلى أبواب القصر الجمهوري, عندما حاول بعض الشوفينين حرمانهم الإحتفال بهذه المناسبة العظيمة,واستشهد على إثرها البطل سليمان آدي”شهيد نوروز “, ولأسباب عنصرية حاقدة تم إعلانها كعطلة رسمية تحت مسمى عيد الأم .
وفي انتفاضة قامشلو المجيدة عام 2004 ,خرج الكورد في دمشق وأبناءهم الطلبة في المدينة الجامعية في وجه جبروت النظام وأجهزته الأمنية , منددين بسياسة التنكيل والقمع بحق أبناء جلدتهم , وليحيوا أرواح شهداءهم اللذين سقطوا في سبيل عزة وكرامة شعبهم , وبذلك سجلوا محطات مهمة جداً في تاريخ نضال الشعب الكردي والسوري , وأوصلوا من خلالها رسالة واضحة المعالم إلى أخوتهم من الشعب السوري , بمعنى التضحية والوفاء لقضيتهم العادلة وحقوقه القومية المشروعة , و جرح واعتقل على إثر ذلك الألاف منهم ,وفصل العديد من الطلبة من جامعاتهم .
في خضم الأزمة السورية التي بدأت في أواسط آذار من عام 2011 م والتي طال أمدها , وأثقلت كاهل الشعب السوري , ودمرت بنيته التحتية , عاد الكثير من الكورد  إلى مناطقهم الأصلية , ولجأ البعض منهم إلى إقليم كوردستان والدول المجاورة , نتيجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة , إلا أن دمشق بقيت تحتضن عدداً كبيراً من الكورد اللذين لم تمكنهم ظروفهم المادية السيئة للعودة , كون ليس لديهم مورد إقتصادي آخر , وقسم كبير منهم أبى الهجرة وفضل البقاء, رغم الإعتقالات والمداهمات الشبه يومية لمنازلهم , و العدد الكبير من الشهداء اللذين سقطوا ولا زالوا  .

   
وفي الوقت الذي يلقى الكورد في دمشق التهميش, وعدم الإكتراث لأحوالهم الإقتصادية الصعبة وظروفهم الأمنية المزرية , من حركتها السياسية وفي مقدمتها الهيئة الكردية العليا متمثلة بمجلسيها الوطني الكردي ومجلس شعب غربي كوردستان , أسوة بباقي المناطق الكوردية من الجزيرة وكوباني وعفرين وحلب , يتعرضون وحتى اللحظة إلى أقسى أنواع المعاناة , من تهجير وهدم للبيوت , وتعرض ممتلكات العديد منهم إلى النهب والسرقة, وخسروا في لحظات كل ما يمتلكونه , وبعد كل هذه السنين من العمل الشاق والطويل.
 ألا يحق لنا أن نتساءل هنا : إلى أين تنتهي رحلة عذاباتهم الطويلة ؟ وإلى متى يصطحبون معهم أمتعتهم المثقلة بالحزن و آلام الماضي ؟ .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…