في الثورة والمعارضة

صلاح بدرالدين

  على أعتاب العام الثالث تكون قوى الثورة السورية الأساسية بمافيها الحراك السلمي الشعبي الحاضن والوسط الجماهيري المشارك مساهمة وعناء وتحملا لتبعات القتل والدمار والحرمان والاعتقال والهجرة والتشرد قد اكتسبت من خبرات الأيام والشهور والأعوام الصعبة الكثير من العبر والدروس والاستنتاجات وازدادت تعلقا وباصرار بهدف الثورة الرئيسي وهو اسقاط نظام الاستبداد الذي أكد طوال هذه المدة أنه عدو لشعبه وقاتل أطفاله ومدمر منازله ومثير الفتن بين صفوفه وفي كل بقاع الوطن ولم يترك فسحة حتى للتفكير بامكانية حدوث أي نوع من التفاهم  ولم يعد “للصلح مطرح” بين الضحية والجلاد وبين أصحاب الحق وغاصبيه
والمشهد هذا يعكس نفسه سياسيا على أهلنا في الداخل بمختلف قوى الثورة والمكونات والجماهير الشعبية الواسعة في رفض كل دعوات الحوار أو التفاوض مع النظام الصادرة منها من الأطراف الدولية والقوى الكبرى والاقليمية أو بعض المجموعات – المعارضة – بالداخل والخارج كما لم يعد لن ينطلي على أحد كل التخريجات والاجتهادات الداعية الى التفاهم مع “من لم تتلوث أياديهم” والمقصود هنا أركان وقيادات تاريخية حزبية وحكومية وأمنية شكلت منذ عقود ثلاثة وأربعة أعمدة للنظام الحاكم تمارس شهادة الزور باسم مناطقها وألوانها للتغطية على نهجه الطائفي البغيض وجر البلاد الى التجزئة والمواجهات وشريكة القهر والاستبداد والاجرام بل “شريكة اهراق الدم السوري” منذ أكثر من عامين والمسألة تتجاوز طبائع الأفراد بل تتعلق بأسس وتطور نظام سياسي اقتصادي شمولي استبدادي بمشروعه التقسيمي المدمر انحدر الى هاوية الاجرام بأبشع صوره لأول مرة بتاريخ البلاد .
  استيقظ المجتمع الدولي فجأة على وقع استخدام النظام لبعض أسلحته الكيمياوية في بعض المناطق بعد سكوته المريب على شلال الدماء السورية المراقة بأحدث أنواع الأسلحة الفتاكة من البر والجو والبحر وبدعم مباشر من روسيا المنقادة من مافيات أجهزة النظام السابق وطغمة الصناعات الحربية وشراكة ميدانية من جمهورية ايران الاسلامية وحزب الله المشبعان حتى الثمالة بالآيديولوجيا المذهبية الاقصائية وكما يبدو فان الدول العظمى والكبرى وحتى الصغرى تحاول استثمار الأزمة السورية واستغلال دماء أطفال ونساء ورجال سوريا كسلعة للمقايضات والصفقات التجارية بين القطبين الأمريكي والروسي على وجه الخصوص والجميع بمافيهم دول الجامعة العربية متفقون على دفع الثوار السوريين الى ابرام صفقة الحل الوسط لوقف الثورة من جهة التي قد تتطور لتسجل نموذجا جديدا جذريا في مسيرة ثورات الربيع ولانقاذ النظام الحاكم برأسه أو بدونه سيان تقديرا وعرفانا له بجميله في السكوت عقودا على احتلال الجولان وتيمنا بما تم في تونس ومصر من خطوات شكلية والبلدان كمايبدو مقبلان على ثورة جديدة ضد أخونة الدولة والمجتمع ومامن شك أن العالم يستغل في توجهه نقاط الضعف في الثورة السورية ومنها سيطرة – الاخوان المسلمين – على – المجلس والائتلاف – والمقدرات والأموال والاغاثة والتموين وتسهيلاتهم في تسلل مجموعات ارهابية قاعدية الى عمق الأراضي السورية والقيادة الرخوة للجيش الحر التي فقدت السيطرة على قرار الحرب والسلم وافتقارها الى الضبط والربط وهي كلها أسباب بدأت مكشوفة ومتداول فيها بين مختلف أوساط السوريين المناوئين لنظام الاستبداد .
  من المفيد والحالة هذه أن يتداعى الغيورون على مصالح الثورة الى عقد اللقاءات التشاورية للوصول الى حلول ومعالجات للأزمة المتفاقمة ولكن على جميع من هو خارج البلاد أن يعلم أن أنظار الداخل الثوري لاتتوجه اليه كمنقذ وقائد بل كعامل مساعد في بلورة أسباب ونتائج الأزمة وسبل حلها وتقديم مشاريع وبرامج للداخل للاستفادة منها واقرارها بالتالي فالذين التقوا أو سيتنادون في القاهرة وأسبانيا وبروكسل واستانبول ليس من مهامهم البحث في جدوى الثورة وحقيقتها ووجودها فهي مستمرة بل يمكن تقديم نصائح لتعزيز صفوفها والحفاظ على نقاوتها والشرعية الوطنية تبدأ منها وتنتهي عندها .

  أما المجال الأهم لجميع هذه المبادرات فهو البحث عن أفضل السبل وأقلها كلفة لتحقيق كيان سياسي ديموقراطي جامع رديف للثورة ومكمل لها وجزء منها وفي خدمتها خارج البلاد وداخلها بالاستفادة القصوى من أسباب فشل – المعارضات – من هيئة تنسيق ومجلس وطني وائتلاف وتجنب تكرار مقدمات نشوء وسياسات ومكونات واعلان وواجهات تلك – الهياكل – ومن الممكن في هذا المجال تعزيز وتوحيد كل الطاقات والمجاميع التي تؤمن بحتمية اسقاط النظام والعمل من أجل ذلك وتفكيك سلطته واعادة بناء دولة سوريا الديموقراطية التعددية لكل مكوناتها ومن أجلها على قاعدة العيش المشترك والتسامح ضمن مجتمعنا السوري المتعدد الأقوام والأديان والمذاهب .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…

حوران حم لم تعد أزمة الحركة الحزبية الكوردية في سوريا مجرد أزمة أحزاب متفرقة أو قيادات أخطأت في إدارة المرحلة، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع، وبين المواطن والقائد، وبين القضية الكوردية والتنظيمات التي رفعت رايتها لعقود. فالحركة السياسية الكوردية نشأت في ظروف قاسية، وفي ظل إنكار للوجود والحقوق القومية للكورد، ولذلك كان الانتماء الحزبي بالنسبة…