مساعي إلهاء الكرد السوريين

خالد جميل محمد

ظلَّ النظام السوري يتوسّل الحيلة تِـلوَ الحيلة لإلهاء الكرد السوريين عن المشاركة الفاعلة في الثورة التي أعلن هؤلاء أنهم جزء رئيسٌ منها منذ بدايتها، بل منذ التخطيط الأولي لإعلانها ذاتَ مفاجأة.

وبصورة أكثر دقّـة فإن المقاومة الكردية السورية في وجه النظام السوري كانت حين لم يكن يخطر في بال القسم الأعظم من السوريين أي نوع من التنديد بسياسات القمع والترهيب التي مارسها هذا النظام منذ الستينيات حتى الآن، مع الإقرار بوجود حالات لم تَــرْقَ إلى مستوى واسعٍ ولم تحقق نجاحاً مأمولاً.
أما مساعي إلهاء الكرد فإنها تتمثل في ادّعاء النظام أنه تكرّم عليهم في بداية الثورة بـ(منحهم الجنسية العربية السورية) دون الإقرار بأنها (إعادة الجنسية لمن حُرموا منها ظلماً).

وتتمثل أيضاً في التعامل المَرِن مع تظاهراتهم الأولى لإشعار السوريين الآخرين بأن الكرد بعيدون عنهم لخصوصية مطالبهم التي زعم النظام أنه استجاب لها من خلال السماح مؤخراً بتدريس اللغة الكردية في المدارس التي أغلقها وفي الجامعات التي دمّرها وشرّد طلبتها، وكأن الكرد ليسوا جزءاً من الشعب السوري وأن حقوقهم لا تتجاوز هذين الحدّين اللذين ينظر إليهما معظم الكرد أنها لا ترقى إلى أدنى مستويات الحقوق التي ناضلوا وقدموا التضحيات في سبيلها.
الحقوق الكردية في سوريا هي نفسها حقوق الشعب السوري في العيش الكريم والحرية والديمقراطية والخلاص من نظام القمع، الوحشية، الإرهاب والفساد، إضافة إلى حقوقهم في العيش بالطريقة التي يرونها مناسبة لهم وفق مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، مع حفاظهم على حقوق الآخرين ممن يعيشون معهم أو إلى جوارهم أو غيرهم من القريبين منهم والبعيدين عنهم.

حقوق الكرد لا تقتصر على بضع وريقات في الألفباء تضاف إلى المقررات الجامعية الفاسدة أصلاً بهيمنة عقلية الاستبداد الأسدي عليها.


إلهاء الكرد حيلة لم ينجح النظام السوري في تحقيقها كثيراً لانعدام الأرضية الجماهيرية لهذا النجاح، حيث يدرك الكرد السوريون أن هذا النظام تسبّب في تشريدهم وتهجيرهم وفقرهم وإقصائهم عقوداً طويلة من سنين عاشها هؤلاء في معاناة وحرمان شديدين.

وما اعترافه الشكلي الأخير بهم سوى استدراجٍ لهم لإيقاعهم في فخاخ ألاعيبه التي أثبتت الوقائع والتطورات أنه أخفق فيها بصورة عامّة، مع بعض الاستثناءات القليلة جداً في حالات فردية قَـبِلَ أصحابُها على أنفسهم أن يكونوا حراباً في يد النظام في وجه الثورة السورية التي فضَّل بعضهم الارتماء إلى أحضان النظام على الانخراط فيها والوقوف معها.
الصورة الأخرى لإلهاء الكرد السوريين تتمثل في الإيقاع بين فصائل الحركة الكردية وضربها بعضها ببعض، وفي الاعتداء على بعض الكرد باسم بعض آخر من الكرد، كذلك في الإيقاع بين الكرد والمعارضة من خلال الصِّدام الذي اختلقه النظام بين الكرد أو بعض الجهات الكردية وعصاباتٍ اعتدت على المناطق الكردية باسم الثورة والثوار لإشغال الكرد بجبهات ثانوية أشعلها النظام لتبرير عنفه معهم من جهة وتشويه صورة الثورة في نظر الكرد من جهة أُخرى.

فضلاً عن سعيه إلى خلق المشكلات بين الكرد وعشائرَ عربيةٍ استجرّ النظام بعضها إلى أتون المواجهات مع الكرد لإشغال الجميع بما يحقق له أماناً واطمئناناً عجزَ عن تحقيقهما بالاعتماد على قواه وحدها.

إلهاء الكرد جزء من سياسات النظام الأسدي التي يتوجب الاحتراز منها ومن أسالبيها التي تجعل الكرد ضحايا الجهل بأبعاد سياسات المكر والخداع التي عُرف بها هذا النظامُ، قاتلُ الكرد السوريين وعدوُّهم الأخطر في هذا الوطن الذي لم يشعر فيه الكرديُّ يوماً بكرامته وحريته وأمنه إلا من خلال الممارسة النضالية الحَـقّة في معتقَل كبير اسمه (سوريا الأسد)!.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…