الأحزاب الكردية ما قبل الثورة وبعدها ….

  نبيل عمر

دخلت الثورة السورية عامها الثالث وعمليات القتل والتدمير لا تزال مستمرة والأفق يزداد انغلاقاُ أمام أي فرصة لحلٍ يجنب البلاد والعباد مزيداً من القتل والتدمير والتهجير وقوافل اللاجئين لا تزال تتجه الى الدول المجاورة والمناطق الداخلية الأقل توتراً وفي المفابل ما زال المجتمع الدولي يتخبط في محاولاته الغير جادة لمعالجة الأزمة السورية ومد يد العون للشعب السوري مما أدى إلى تحويل سورية الى ساحة صراعات إقليمية و ظهور بعض المجموعات المتطرفة وبأسماء مختلفة ذادت الأمر سوءً مما ترك المجال للنظام  للذهاب بعيداً في استخدام جميع أنواع الأسلحة حتى المحرمة منها وارتكاب أبشع المجازر بحق الشعب السوري.
و باعتبار الكرد مكوناً أساياً من مكونات الشعب السوري فقد خرج شبابه في أول أيام الثورة وهتفو لدرعا وحمص وحددو موقفهم من الثورة منذ بدايتها على عكس الأحزاب الكردية التي فضلت التأني وانتظار ما ستحمله الأيام من تطورات.
وبعد مرور عدة أشهرمن اندلاع الإحتجاجات أدركت هذه الأحزاب أن الكثير من عناصرها الشابة انخرطت في صفوف المتظاهرين و أن الشباب باتو هم الفاعل الحقيقي في الساحة الكردية فعمدت إلى الإنخراط التدريجي في المظاهرات وبالتالي سحبت البساط من تحت المجموعات الشبابية و نقلت لها عدوى الإختلاف والتفرقة والمشاحنات الحزبية وشيئاً فشيئاً لوحظ تهميش الفئات الشابة المستقلة التي أشعلت الإحتجاجات واستبعادها من معظم الحسابات السياسية و سلب إرادة بعضها الأخر من خلال إقحامها في الحساسيات الحزبية التقليدية.
لقد كان المثقفين الكرد يرددون دوماً أن الأحزاب الكوردية غير جاهزة لأي تغيير على الساحة السورية وقد أثبتت تلك الأحزاب ذلك في انتفاضة أذار 2004  وبقيت محافظةً على حراكها التقليدي و لا يخفى على أحد انها كانت تعاني من جملة صعوبات وقفت حاجزاً أمام تقدمها منعتها من الخروج من الجمود والدوران في دائرة مفرغة و الإنتقال الى مرحلة الإنتاج والتأثير في الواقع ونذكر منها :
–  عدم القدرة على حل المشاكل الداخلية للتنظيم واللجوء الى الانشقاق والتصفية السياسية مما كان يترتب عليه من إيجاد تنظيمات صغيرة غير فاعلة وإضعاف التنظيم الأم.
–  نفور النخبة المثقفة من التنظيمات السياسية لعدم قدرتها على توفير البيئة الملائمة للنشطاء وقيام القيادات التنظيمية بتجاهل أراء هذه النخبة وتهميشها بغية الحفاظ على موقعها ومصالحها.
–  الأمية السياسية وتبوئ شخصيات ذات قاعدة عشائرية غير مؤهلة للقيادة و ليس لها أي علاقة بالسياسة مواقع قيادية في التنظيم مما يترتب على ذلك من خلل وفساد في جسم التنظيم.
–  عدم اعتماد مرجعية رمزية أو سياسية واحدة جامعة للمكون الكردي في سورية وتدخل جهات سياسية مختلفة في الشأن الداخلي للأحزاب وتحكمها في القرار مما أدى الى اختزال القضية في شخصيات ورموز وطنية وهذا يتنافى مع الغاية التي وجدت لأجلها هذه التنظيمات.
–  كادت معظم الاحزاب أن تخلو من القوة الشبابية والناتجة واقتصار النشاط الحزبي ضمن إطار الفئات العاملة والأمية  وتفرد بعض النخب السياسية التقليدية بالقرار مما أدى الى تخلف الإحزاب عن التطورات السياسية الجارية في العالم وفشلها في تجديد الهيكلية الحزبية واستقطاب الشباب والمثقفين.
–  بقاء العمل الحزبي تقليدياً و افتقاره للنهج المؤسساتي والتخطيط و توغل المخابرات السورية داخل جسم أغلب التنظيمات حيث كان لها دور كبير في حالة الفرقة والتشتت .
–  فشل الأحزاب في قيادة انتفاضة 2004 التي عمت المنطقة الكردية  حيث استشهد العشرات واعتقل الألاف من خيرة الشباب والمثقفين وامتدت حتى العاصمة السورية ولم تتمكن من استثمارها لصالح القضية الكردية حيث اقتصر دورها في الحديث عن المؤامرة المخابراتية وراء تلك الأحداث الأمر الذي لا يتكافئ وحجم التضحيات التي قدمها الشباب الثائر بل ذهبت بعض الاحزاب الى إتهام القوى الشبابية التي قادت وقامت بالمظاهرات بالتهور والتخلف السياسي.

هذا وبعد مرور كل هذا الوقت على الثورة السورية يشعر المواطن الكردي السوري بأن مستقبله مهدد وأن الأفق أمامه ضبابي حيث ما زالت الأحزاب الكردية تتخبط في اختلافاتها الداخلية ولا ترقى الى مستوى المسؤولية والتغيير الحاصل والبعض منها متهم بممارسة العنف وتصفية الرأي المخالف واللجوء إلى ممارسات إستفزازية والركون الى منطق التهديد والوعيد مما يخدم عن قصد أو دون قصد مصلحة النظام المجرم مما جعل الأخرين يفقدون الثقة بهم  وهنا لا بد من الذكر بأن تشكيل الهيئة الكردية العليا كانت خطوة في الطريق الصحيح وقد استبشر الكرد بها خيراً إلا أن استمرار الخلافات وهيمنة طرف واحد على قرارات الهيئة ألغى الهدف الذي وجدت من أجله و ما أعتم المستقبل المرهون بيد أحزابٍ اختصرت القضية والشعب في الحزب نفسه وشخص قيادة الحزب وكل من انتقدهما حلت عليه اللعنات من كل صوب وهنا يقول لسان حال البعض أن التغيير يجب أن يشمل الأحزاب ذاتها وأنه حان الوقت لأن يعلن الشعب الثورة على من ليس بأهلٍ لأن يقوده في رحلة التحرر و تقرير المصير ورسم معالم المستقبل وأن الشباب الثائر هو الضمانة الوحيدة و عليه أن يقف في وجه كل حالات الإنقسام والتشتت ويشكل بنفسه قوةً تقيم مسلك الحراك الكردي وتحتضن كل الطاقات وتوجه كل النشاط في خدمة الثورة واستحقاقات الكرد في سورية ديمقراطية حرة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…