نهاية إيديولوجيا التطرف الكوردية

دلسوز ميدي

إن وجود التطرف لدى المجتمعات والشعوب المضطهدة التي لم تحقق مستلزمات ممارسة الوجود القومي أو شعوب الدول المتحررة قوميا التي لم تكتمل لديها مقومات التحرر في الجوانب الأخرى كالاجتماعية والاقتصادية.

إن التطرف لديها من حيث الطبيعة والمصدر والتأثير يختلف عنه لدى المجتمعات المتقدمة أو السائرة على طريق التطور .
ففي الحالة الأخيرة قد يبرز التطرف كحالة احتجاجية إما بشكل فردي أو جماعي محدودعلى شكل سلوك او ممارسة ارتدادية عن الاعراف المجتمعية وبعض قوانيين الدولة لتعبر عن عدم رضى عن قضايا ليست عامة ولا تمس الوجود الجمعي.
إما في الحالة الأولى فانا التطرف والذي يقابل ويقاوم الاعتدال هو حاجة خارجية للتحكم بمسار الحركة الداخلية للشعوب المضطهدة وتحريف خطها التحرري وتشويهه وإعاقته مانحا الذريعة لقوى الاضطهاد لتوصيف ما تشاء عن  تلكم الشعوب وبذلك يكون التطرف إما صنيعة خارجية يتم تطعيمها في الشعوب التي هي ليست متطرفة بطبيعتها ولا هي موجودة بالفطرةعلى التطرف ويتم تغذيته ديماغوجيا بدغدغة المشاعر القومية غالبا ةاتخاذها (أي المشاعر القومية) واجهة لتمرير وتوسيع دائرته (التطرف) مقابل انحسار تيار الاعتدال.

أو قد ينتج التطرف في بدايته من داخل الشعوب نفسها كرد فعل سرعان ما تتلقفه مخابر السياسة للدول ذات الملحة لتستثمره وفق ما يخدم أجنداتها.

وفي الحالتين فهو يستغل من الخارج ولذلك قلنا إنه حاجة خارجية .
ولا يكاد يوجد شعب مضطهد إلا ويعاني من ذلك وهو حال شعبنا الكوردي الذي يبدو انه سيستريح إلى حدا ما بعد اتفاقية (أوجلان – اردوغان) والتي سيلتزم بها طرفي
التفاق فقط .

لان الشعب الكوردي في تركيا غير معني بهذه الاتفاقية لأنها لم تأت بجديد لصالح قضيته كقضية شعب سوى أنها أنهت ممارسة إيديولوجية كان التطرف سمتها.

وهي (أي الاتفاقية) وببنودها التي أعلنت كانت تسوية لخلاف بين حزب ودولة ولم تعالج طموحات وآمال الشعب الكوردي المشروعة
.
ورغم إن الاتفاقية كانت ضربة قاصمة لإيديولوجية حزب العمال ولطبيعة وجوده والأهداف التي كان يتبناها وأراق دماء غزيرة من اجلها الأهداف وتنازل عنها بشكل متواتر من المطالبة بالاستقلال إلي الكونفدرالية فالفدرالية فالحكم الذاتي والى ما دونه علما أن الحزب ذاته كان يعيب على الحركة الكوردية في كوردستان العراق مطالبتها بحكم ذاتي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تلك الحركة التي وضعت في حساباتها الظروف الداخلية والموضوعية لكل فترة وكانت واقعية أكثر ما تكون عاطفية .
ووفق احد بنود الاتفاقية والقاضي بعدم المطالبة بالحكم الذاتي وهو السقف الأدنى لحقوق الشعوب ووقعها الطرفان يكون الشعب في كوردستان تركيا قد خرج من دائرة الشعوب.

نقول رغم الضربة التي تلقاها الحزب فان الفرصة قائمة أمام الردح المتبقي منه لتبني شكل نضالي واقعي يضع مصلحة الشعب الكوردستاني فوق غيرها من المصالح بعد إن ينتقد بجرأة وشجاعة وعلنية المرحلة السابقة من حياته بكل تجلياتها وتفاصيلها من التقديس لغير الوطن والإنكار للمختلف وإباحة الدم الكوردي إلى ما هنالك من السلبيات الكثيرة التي رافقت المنظومة الفكرية والتطبيق العملي لها في المرحلة المؤلمة السابقة وهم مطالبون بالاندماج الإيجابي في الجسد الكوردي والإيمان بان لهم رؤية في محيط يضم رؤيات كثيرة لا أن تنظر لنفسها على أنها جملة حقائق دائمة أو مقياسا مرجعيا للخطأ والصواب أو حالة من الحق المطلق .

إن إيديولوجيا التطرف زائفة دائما تعاني القصور المعرفي كونها تتوهم كمالا قائما لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه وبذلك فهي بأحاديتها ولغتها وخطابها والمصطلحات المكونة لهذه اللغة وهذا الخطاب واعتماد الديماغوجية كمنهج لتطبيقها تحرف المتلقي سواء كان فردا أو جماعة أو حالة شعبية عن فهم الواقع إلى تخيل أوهام الواقع وتبني هذه الأوهام خدمة لما لا يخدم الشعب.

وكماهو معلوم فإن إيديولوجيا التطرف الكوردية لم تكن وليدة لحظة فجائية بل كان لنشأتها مقدمات  ولسيرورتها وديمومتها وإستمراريتها روافد.

فمن المعروف أيضا انه كانت لنهايتها بداية ومقدمات حيث سنتناول ذلك في المقال القادم المعنون ( بداية نهاية ايديولوجيا التطرف الكوردية) .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…