أردوغان…المهندس البارع

 درويش محما

اختلفت الآراء حول عملية إطلاق سراح حزب العمال الكردستاني لعدد من الاسرى الاتراك لديه, كذلك الحال, بالنسبة إلى الاوامر التي اصدرها عبد الله اوجلان لاتباعه بترك الأراضي التركية عشية عيد النوروز, اعتبرها البعض صفقة, والبعض الآخر لم يعتبرها كذلك, لعدم توافر شرط “الخطوة مقابل الخطوة”, فعملية اطلاق سراح الاسرى الأتراك لم تقابل بعملية مماثلة تركية, ولا عملية انسحاب رجال عبد الله اوجلان من “الأراضي التركية”, ستقابل بتنازل تركي مماثل.
ما يحدث اليوم بين “العمال الكردستاني” وحكومة السيد اردوغان, لا يمكن فهمه خارج إطار سياقه التاريخي, ولان العمال الكردستاني بجميع مشتقاته, من حزب الحياة الحرة الكردي الايراني, وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري, الكل يدين بالولاء المطلق للقائد المطلق, القائد الفذ, المعجزة, المقاوم, الملهم, الفيلسوف, عبد الله اوجلان, ما يفكر به, ما يطمح اليه, ما يقوم به, ما يخطط له, أحلامه, صحته, مشاعره, كلماته, تلميحاته, فرشة اسنانه, فراشه, وشباك سجنه , كل ما يتعلق بشخص عبد الله اوجلان, هو وحده ما يجب فهمه واستيعابه, وهو وحده يشكل السياق التاريخي, كل السياق التاريخي في جانبه الكردي.


اما السياق التاريخي بجانبه التركي, يبدأ من لحظة القاء القبض على اوجلان عام 1999, فقد ايقن الاتراك, مباشرة, وفور القاء القبض على غريمهم المعلن, ان الرجل الذي في قبضتهم لايشبه ذاك الرجل الحر خلف الحدود, على شاشات التلفاز, ايام البقاع اللبناني, الذي كان يخشاه الصديق قبل العدو, هاهو يعلنها على الملأ في اول اختبار, و”بالفم المليان” انه “مستعد للتعاون”, لكن في الوقت نفسه, لا يمكن اعتبار اوجلان رجلاً عادياً, فالكل يستمع اليه ويطيع اوامره, “السيد اوجلان يعرض خدماته, والناس تحرق نفسها في سبيل اخلاء سبيله, واذا كان اوجلان في قبضتنا, فجموع اتباعه كذلك في قبضتنا”, هذه المعادلة الغريبة الشاذة, أدركها السيد اردوغان وعمل عليها بصبر وعلى نار هادئة, ومن غير المستغرب أن يكون هو نفسه وراء السر العظيم في استمرار شعبية أوجلان, رغم تغير مواقف هذا الاخير 180 درجة, وتنازله عن كل شعاراته السابقة التي سيق على اساسها, عشرات الالاف من الشباب الكرد, نحو جحيم حرب طويلة مكلفة وقاتلة.
ما يجري اليوم بين اوجلان والاتراك, لا شك انه يدخل ضمن اطار صفقة كبيرة شاملة معروفة النتائج, صفقة مدبرة ومرسوم لها بعناية, والسيد اردوغان هو المهندس الحقيقي لهذه الصفقة, المريحة والمربحة للطرف التركي, اكثر منه للطرف الكردي, لان الطرف الكردي والمتمثل بشخص اوجلان, لا شروط لديه, الرجل يسعى إلى انقاذ جلده, بعد ان حول نفسه من شخص الى قضية, واذا وجدت شروط ثانوية لعبد الله اوجلان, عدا شرطه الاساسي باطلاق سراحه او تحسين ظروف سجنه, فلن تكون شروطاً تعجيزية خارجة عن المألوف, ولن تكون الا مجرد رتوش مكملة, تضاف الى ما انجزه خصمه المعلن السيد اردوغان في الاعوام القليلة الماضية من فترة حكمه, كالاعتراف باللغة الكردية وفتح المزيد من القنوات التلفزيونية الكردية, واعطاء المزيد من الحريات.
الصفقة بين تركيا واوجلان, هي صفقة مباركة من دون ادنى شك, صفقة ستجعل من تركيا في اوج قوتها وازدهارها, وستضمن لكردها العيش بسلام ورفاهية على النكهة التركية, والسيد رجب طيب اردوغان وفريقه ومستشاريه, يشكرون في الحقيقة على جهودهم, واردوغان بالتحديد, سيذكره التاريخ كصانع للسلام بالاضافة الى كونه باني تركيا الحديثة, اما السيد عبد الله اوجلان كشريك له في الصفقة, فلن يحظى بالقدر نفسه من الذكرى الطيبة, حتى لو منح جائزة نوبل للسلام.


كاتب كردي سوري

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…