زمن المقاسات لا القناعات

حيدر عمر
 
مازالت المعارضة العربية السورية التي تهيمن عليها جماعة الإخوان المسلمين تتحف السوريين بين فترة و أخرى بأسماء جديدة يسمعها السوريون أول مرة كمعارضين أيقظتهم الثورة السورية على وقع السقوط اليومي لمئات الشهداء و تدمير البنية التحتية للبلاد.

الشخصية المعارضة الجديدة التي أفرزها الاجتماع الأخير لإئتلاف قوى المعارضة السورية هي السيد غسان هيتو، الشخصية الأكاديمية، و “أحد مؤسسي جمعية الدعم القانوني للجالية العربية و المسلمة في الولايات المتحدة الأمريكية، و التي تهدف إلى الدفاع عن الحريات الشخصية و المدنية و مكافحة التمييز ضد العرب و المسلمين الآسيويين”.
لست في صدد الحديث عن الرجل كمعارض للنظام السوري، بل ما أريد الإشارة إليه هو السيل الإعلامي الذي ظهر بُعيد انتخابه رئيساً لوزراء الحكومة المؤقتة، مشيراً إلى جذوره الكردية.
في الحقيقة إن الحكومات السورية المتعاقبة منذ فجر الاستقلال و إلى اليوم لم تخل من شخصيات ذات جذور كردية، بدأءً من أول رئيس للجمهورية السورية مروراً بحسني الزعيم و سلو و محسن البرزاي و غيرهم قبل الانقلاب البعثي عام 1963، إلى محمود الأيوبي الذي اعتُقِلت في عهد رئاسته للوزارة قيادة الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) عام 1973 و دام اعتقالها عشرة أعوام دون محاكمة، وصولاً إلى قدري جميل الشيوعي ذي الجذور الكردية، وعمر أوسي بوق النظام في مجلس شعب النظام، بالإضافة إلى قطيع من الانتهازيين الكرد الذين هرولوا زرافاتٍ و وحداناً إلى صفوف حزب النظام.

 
و قبل ذلك يحفظ تاريخ سوريا أسماء لامعة في معارك الاستقلال من مثل يوسف العظمة و إبراهيم هنانو و أحمد بارافي و غيرهم.
السؤال الرئيسي الذي يواكب كل هؤلاء جميعاً: ماذا قدموا للكرد؟ و هل اطمأنَّت إليها المكونات السورية، لتطمئن إلى السيد هيتو؟
أولئك كانوا كرد الحكومات السورية المتعاقبة، الذين قُدِّمت للكرد في أيامهم خدمات جُلَّى، ظهرت في تنفيذ مشاريع كثيرة، كمشروع الإحصاء السيئ الصيت، الذي جرد في وقته (عام 1962) أكثر من مائة و خمسين ألف كردي من المواطنة السورية، و مشروع الحزام العربي الذي استلب من الكرد أراضيهم و منحها لعرب تم استقدامهم من مناطق أخرى، و مشاريع التعريب الذي طال أسماء القرى و المناطق الكردية، و لم يستثن أسماء المواليد.


هذا و غيره الكثير ما جناه الكرد من وجود الكرد الذين اختارتهم الحكومات السورية المتعاقبة.

فهل تركيز الصحف العربية الصادرة عقب انتخاب السيد هيتو رئيساً لوزراء الحكومة المؤقتة على اثنيته الكردية، قادر على اقناع الكرد بعكس ما تقدم؟
 السيد غسان هيتو،حسبما جاء في جريدة السفير، “الأمريكي الجنسية، الكردي الهوية” مع أنه لم يشر إلى هذه الهوية  أثناء نشاطه في الجمعيات التي عمل فيها سابقاً في مغتربه، كما يشير إليه هدف جميعية الدعم القانوني التي كان أحد مؤسسيها، و التي هي جمعية “للجالية العربية” والتي يوحي اسمها بأنها لا تشمل الجالية الكردبة.

و تقول جريدة زمان الوصل الإلكترونية إنه” ينحدر من أصل كردي”، ثم تبني على كرديته نجاح “المعارضة في أول امتحان يتعلق بمنصب رسمي تجاوزت الموروث اللاديمقراطي الاحتكاري للسلطة” كما تذهب مصادر الإئتلاف، حسبما ورد في جريدة الشرق الأوسط إلى أن “انتخابه ينفي عن الإتلاف تهمة استبعاد الأقليات”.
ولكن ما شدَّ انتباهي أكثر من كل ما قيل عن جذور الرجل الكردية، هو ما ذهب إليه الأستاذ طارق الحميد  في مقاله في الشرق الأوسط، فهو يقول “انتخاب هيتو أقرب إلى عملية تسوية بين كل الأطراف، خصوصاً أنه من جذور كردية مما من شأنه طمأنة جميع المكونات السورية”، ذلك لأن، كما يُقال، غلطة الشاطر بألف.
رغم احترامي للأستاذ طارق الحميد و قلمه كمتابع لمقالاته في جريدة الشرق الأوسط، فإنني أراه فيما ذهب إليه متجنياً على مكون سوري لا يقل تعداده عن 15% من السوريين، أقصد المكون الكردي، الذي يعرف الأستاذ الحميد أنه مُغيب إلى الآن من طرف المعارضة السورية و على رأسها الإئتلاف الذي لا يني يتغنى بكردية السيد هيتو.


هل يمكن أن تكون عملية انتخابه فعلاً “عملية تسوية بين كل الأطراف”، و كل الأطراف تعلم أن طرفاً ليس قليل العدد و ليس صغير الحجم أو خفيف الثقل مُغَيب، تسري التسويات في تغييبه؟ كما تعلم كل الأطراف أن هذا الطرف المُغَيب لا يُختَزَل في بضعة أشخاص، مع احترامنا لهم، أجمع كل الكرد على أنهم لا يمثلونهم  لافي الثورة السورية، ولا في أوساط المعارضة السورية، و لا في المحافل الدولية التي تَحضَرها المعارضة و تُحضِرهم إليها معها.


إن المعارضة السورية، حتى اليوم، لا تريد كردياً فاعلاً، بل تريد واحداً على مقاسات أجندتها كردياً، و من هنا فهي ترسم خارطتها، و تدعو الكرد إلى المقعد الذي تهيئه لهم، و إن أبدى الكرد وجهة نظرهم في ما تخطط لهم، تدير ظهرها لهم، و تلتفت إلى كردها المُجَهَّزين، و غسان هيتو، مع احترامنا للرجل، ليس إلا أحد أولئك المُجَهَّزين.

و هذا ما دلَّ عليه العناق الطويل الذي أخذه فيه السيد صدرالدين البيانوني بُعَيد إعلان انتخابه مباشرة.
إنه زمن المقاسات يا أستاذ طارق مستمر منذ معارك الاستقلال حتى اليوم، و ليست عمليات تسوية مقنعة، و قد آلى الكرد في سوريا على أنفسهم ، هذه المرة، أن يجعلوه، بمشاركة كل المكونات السورية، زمن القناعات.

     

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…