تغيب الاعتدال بين ثنائية العقل و العاطفة

                                                                                                          

 ـ آزاد برازي ـ
  
   قد تحمل الرؤى السياسية المبهمة والغامضة دلالات عدم الوضوح وعدم عمق في قراءة الحوادث التاريخية وما بين سطورها من عبر مفيدة لتحقيق رؤية سياسية مترابطة لا تشوبها شائبة ، و ليس المهم في هذا الموضوع أو الغاية هو تماثل الرؤى ، فالتعددية تعتبر حالة صحية ، ولن تكون الحقيقة مطلقة لدى فئة من الفئات أو تنظيم من التنظيمات فهي مجزأة ومتناثرة بين الجميع وإن بنسب مختلفة وهذا يعود إلى طبيعة قراءة الوقائع وترابطها المنطقي  .
من المعروف أن السياسة هي فعل عقلاني خاضع لمفاهيم وتصورات عقلية على ضوء الرؤية ورغم ذلك لا يمكننا إغفال جانبها الآخر المتمثل بالعاطفة ، وهذا يعيدنا إلى مقولة لغرامشي (( إن أي خطاب سياسي خالٍ من العاطفة يعتبر خطاباً سياسياً فاشلاً ))  .
إذاً نحن أمام جدلية متجذرة في سياستنا الكردية السورية ألا وهي جدلية (( العقل والعاطفة )) وقد يحلو لنا اختزال تاريخ الحركة الكردية وسياساتها بصراع العاطفة والعقل فإما أن تكون عاطفية إلى أبعد درجة حتى تصل إلى درجة التطرف ، أو أن تكون عقلية حتى تصل إلى درجة التخاذل ، فبين التطرف والتخاذل وبين العاطفة والعقل ثنائيات تُختزل فيها ملامح النضال الكردي في سوريا منذ خمسينات القرن الماضي  .
   يمكن أن يصور البعض أن الحلـول في الأحاديـة واعتماد القاعـدة البوشـية (( إن لم تكن معنا فأنت ضدنا )) أي إن لم تكن عاطفياً في السياسة فأنت متخاذل وعميل وإن لم تكن عقلانياً فأنت متطرف وهكذا يبدأ الصراع لتتفتح قريحة الاتهامات بمختلف أنواعها ووسائلها ، بصيغها المباشرة وغير المباشرة بأشكالها الصريحة والمضمرة .


   والسؤال الذي يورد نفسه ما الحل ؟  هل الحل في عاطفة لا محدودة في الخطاب السياسي لاستثمار تلك الطاقة الانفعالية المكبوتة لدى الجماهير المتعطشة لأي شيء يعبر عن حالتها المأساوية ولو بمفردات بسيطة ذات دلالات شكلية غير منتجة أو فاعلة على أرض الواقع ، أو الحل في العقلانية اللامحدودة لعقلنة الشارع حتى يدخل مرحلة التدجين وفق رؤى محددة من قبل الآخرين ، ولاحقاً الانحلال .
   لا شك أن السياسة لا تخلو من العاطفة والعقلانية معاً فكما عبر الفيلسوف الألماني هيجل والبحوث النفسية أن العاطفة هي عبارة عن القوة المحركة للسلوك وهي التي تمنحنا الاندفاع والعمل من أجل تحقيق الغاية المرجوة والمراد تحقيقها ، وهنا يأتي دور العقل في القدرة على توجيه العمل و إرشاده نحو الوجهة الصحيحة وفق مقتضيات الواقع وبأقل وقت وأقل جهد مبذول وأقل خسائر أيضاً .
   إذاً نحن أمام مستويين ، العاطفة والعقل ، فكلاهما يحاول استغلال حالة الشحن العاطفي والمصلحي لدى الجماهير لتحقيق غايات يعتقد أنها مطالب تهم الشعب ، وهنا نتعرض لمسألة أخلاقية ألا وهي المصداقية في تبني قضايا الشعب والدفاع عنها ، لذلك قد نكون محصورين بين دفتي السلب والإيجاب.
   أولاً : السلب في المصداقية الذي سيؤول في النهاية إلى تلبية مصالح ضيقة لفئة من الفئات التي ستقود هذه الحالة الانفعالية ومع مـرور الزمـن ستتلاشى وتسقط ، حيث يمكن تسميتها بـ (أبطال الورق) .
   ثانياً : الإيجاب في المصداقية ، ستفرض عليهم الواقعية مراجعة الذات لمعرفة طبيعة الهوة الواسعة بين ما يجب أن يكون عليه الواقع وما هو عليه ، ولربما يتجاهلون ما ذكر لقلة الوعي السياسي أو القراءة القاصرة للوقائع ولا شك في هذه الحالة ستأخذ النتيجة طابعاً سلبياً حتماً .
   سنرى في كلا المستويين تجاوباً جماهيرياً مع هذه الحالات لغياب حالة الوسطية المعتدلة بين العقل والعاطفة  أي أصحاب القلوب الحارة والعقول الباردة وفق تعبير لينين ، أو تغيبها بفعل فاعل لأنه لن يروق للبعض وجودها  .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف دار الحرب مصطلح فقهي إسلامي قديم، ارتبط ظهوره تاريخيًا بزمان ومكان محددين، ويقابله مصطلح دار الإسلام. وليس المقصود بالدار هنا المنزل أو دار السكن، بل يراد به : الإقليم أو الدولة والبلدة. تعريف دار الحرب : هي كل بقعة تكون أحكام الشرك فيها ظاهرة. أو كلّ بقعة لا تسود فيها أحكام الإسلام، والسلطة فيها للكفار. وقد وضع…

د. محمود عباس إلى دول الخليج، وإلى العشائر العربية في سوريا والعراق: انتبهوا قبل أن تلتهمكم النار التي يُراد إشعالها باسمكم. من يدفع بعضكم اليوم إلى محاربة الكورد لا يحمي العرب ولا سوريا، بل يستخدم الدم العربي وقودًا لمشروعين إقليميين يتنافسان على إخضاع المنطقة: المشروع التركي والمشروع الإيراني. لا تمنحوا داعش اسم العشيرة، ولا تمنحوا مرتزقة تركيا غطاء العروبة. فالخيام…

د. حمدي سنجاري يتحمّل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، مسؤوليات تُعدّ من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة، فالعراق يقف عند تقاطع تحديات داخلية وإقليمية ودولية تجعل من قيادة الدولة مهمة استثنائية بكل المقاييس. ولعلّ صعوبة هذه المهمة هي ما يجعل تولّيها، بحدّ ذاته، تعبيراً عن الثقة بالقدرة على الإنجاز، إذ إنّ قيادة العراق اليوم لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات،…

دلدار بدرخان لست هنا بوارد إثارة الفتنة بين مكونات الشعب الواحد ، ولا أبتغي فتح جراحٍ جديدة أو صب الزيت على نار الخلافات الداخلية ، وإنما ما أود التطرق إليه في هذه الجزئية هو أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في الأوساط الشعبية الكوردية ، ألا وهو موضوع تبرؤ بعض الإيزيديين الكورد من كورديتهم ، والتمسك بمفهوم أن ” الإيزيدية…