مشاهد لا تفارق الذاكرة .. (1)

روني علي

بينما كنا – مجموعة من اللامنتمين – نشرب نخب الانتصار بمناسبة تطور الذهنية الكردية، ونبدي إعجابنا بالارتقاء الذي بدأ يداهم العقل الكردي في رصده لمعطيات الحالة السياسية، خاصةً ونحن نرى الكم الهائل من المشاريع السياسية التي تبحث عن بوصلتها، وكلنا أمل في أن تجد ضالتها في الجانبين المعرفي والفكري، وبالتالي تخرج من كماشة التناقضات، وازدواجية الخطاب، وأزمة توظيف المصطلح، لكزني أحد المقربين مني لسرد الحكاية التالية :

في يوم ما، وفي جو ما، كانت الدعوة إلى انتخاب أعضاء المجلس البلدي في الرقعة التي انتمي إلى جغرافيتها، فتجمع المدعوون أمام صناديق الاقتراع، بينهم الطويل والقصير ..

النحيف والسمين ..

الذين يضعون القبعات، والذين يتأبطون الجرائد تحت الكرافات المتدلية على الكروش المهترئة، وهم على موعد للإدلاء بأصواتهم، وانتخاب مرشحيهم ..
هناك من ينادي في زاوية منسية عن التاريخ ..

إنه ترشيح للمسؤولية، وهناك من يصرخ إنه اختبار للقدرة على أداء المهمة، وآخر يبارز الجميع بصيحاته، إنها الرغبة في التعبير عن إرادة الجماعة ..

ولا شروط، فقط الشرط الوحيد، هو امتلاك القدرة على خدمة المجتمع..

فقط الشرط الوحيد هو الإلمام بمفردات الخدمة ..
القائمة ممتلئة بأسماء توحي بأن المعركة حامية الوطيس، وأن هناك أكثر من مناضل صنديد يمتلك القدرة على أداء المهمة..

ضجيج وصفير، هتافات وشعارات..

انتخبوا فلاناً كونه الأقوى..

وانتخبوا علاناً كونه الأجدر، وكل ذلك في جو من التفاعل الديمقراطي وبروح من الشفافية المفرطة ..
انتهى التصويت ..

هكذا نادى المنادي..

انتهت المهمة النضالية ..

ولنقرأ عليكم الأسماء التي نالت ثقتكم ..
وما أن انتهى المشرف على الانتخابات من قراءة الأسماء وحسب ترتيب الأصوات، حتى كان هناك لغط وغمز ولمز..

ولا عجب في ذلك، وقد يعتبرها البعض نوعاً من الحسد كون هناك من خسر المعركة، أو فاته الترشيح لسبب ما، وهناك من جاوز حدود التوقعات في الاختبار ..

إلا أن الغريب في الأمر هو أن الذي تبوأ الرقم الأول في تسلسل القائمة من الفائزين، كان أخرساً، والثاني كان أطرشاً، والثالث كان أمياً، لا يجيد لا قراءة الواقع ولا استنطاق المستقبل، وإن وجد البعض من الذين يلمون ببعض الحقائق والوقائع، فقد كانوا في أسفل السافلين من الذين فازوا في الاختبار ..

وما أن انتهى صاحبي من سرد حكايته، حتى قفز من كان جالساً في واجهة طاولة الحوار ليصرخ بأعلى صوته ..

والله صحيح ..

وهذا ما يحصل في أحزابنا باسم الديمقراطية ..

وهذا ما يحصل في وجداننا باسم الموضوعية ..

هو الجهل بعينه حين يرشح من لا يمتلك أدنى شروط ومستلزمات الفعل ليتبوأ ( المنصب ) وليقود ( المشاريع ) ..

هو الاستنزاف وهو الاستهتار حين ترتفع الأيادي دون أن تعي لماذا رفعت، ودون أن تدرك أنها بحركتها الماراثونية تهدم بدلاً من أن تبني ..

ودون أن تعود إلى ذاتها لتتساءل ..

هي صوتت لمن ..

ولماذا ..

وعلى أساس أية ميزة أو طاقة أو أي مستوى من الوعي والإدراك … ولكن هي الديمقراطية، وما علينا سوى احترام نتائجها حتى تشرق الشمس من جديد لنفهم الديمقراطية من المتدمقراطيين …

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو ​بعد خمسين عاماً من معايشة الوجع الكردي، لم أتوقف يوماً عن القراءة في الكتب العلمية والاستماع بإنصات لكل من النخبة والجماهير، مؤمناً بأن واجبي الإنساني والقومي يفرض عليَّ أن أكون تلميذاً دائماً للحقيقة. ومنذ أكثر من نصف قرن، دأبتُ على جمع خلاصة الفكر الإنساني والسياسي في مكتبتي الخاصة، وحفظتها كأمانة للتاريخ. ​اليوم، ومع سقوط النظام البعثي الأمني وهروب…

عبدالجابرحبيب الشبهة بين النص والتراث في بعض زوايا التراث، حيث تختلط الرواية بالتاريخ وتتشابك اللغة بظلال الأزمنة القديمة، تظهر بين حينٍ وآخر نصوصٌ تُقتطع من سياقها لتتحول إلى مادةٍ لإثارة الشبهات. ومن تلك النصوص ما يُتداول من روايات تزعم أن «الأكراد حيٌّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء»، أو ما ورد في بعض الكتب من كراهية مخالطتهم أو الزواج…

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…