الوحدة الوطنية الحقيقية هي الضمانة لبناء سوريا الجديدة

  افتتاحية جريدة الوحـدة *

لاتزالُ القضية السورية تراوح مكانَها ولا حلولَ في الأفق المنظور ، فالموقف الدولي حيالَ أعمال القتل اليومية الجارية في سوريا وقصفِ المدن بالأسلحة الثقيلة وسلاح الطيران ، لايزال متسماً بالتذبذب والغموض ، ولم تحقق الأسرة الدولية التي تمتلك القدرة والقرار مطلب وقفَ نزيف الدم السوري بشكل جدي طوالَ فترة الأشهر العشرين المنصرمة ، حيث يستمر تدمير البنى التحتية لسوريا الدولة وإنهاكها على كافة الصعد ، ويبدو أن تشابكَ المصالحِ والتجاذبات الإقليمية والدولية التي تسببتْ في تأخير إيجاد مخرج سياسي يحقن دماء السوريين أدّى وسوف يؤدي إلى ظهور المزيد من العراقيل في طريق الحل المنشود
 ومن بينها ظهور وانتعاش قوى واتجاهات تكفيرية تفجيرية لا تتقاطع أجنداتها مع أهداف الثورة السورية الرامية إلى بناء دولة ديمقراطية عصرية تعددية ينعمُ فيها السوريون بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية بحريتهم وكرامتهم الإنسانية.

وبات واضحاً أن نفوذَ هذه الجماعات التكفيرية بدأ ينمو ويتسع في ظل استمرار دوامة العنف وارتكاب الجرائم من قبل قوات النظام ، مما يهدد مستقبل الثورة السورية والأمن والاستقرار في المنطقة.

هنا يظهر بوضوح كم هو ملحّ وضروري تسريع عملية تفاهم المجتمع الدولي على المرحلة المقبلة والانتقال السياسي للسلطة درءاً لحالات الانتقام والاحتراب واحتمال تفشي حربٍ طائفية بغيضة قد تودي بسوريا نحو الدمار وتتركَ ظلالاَ كئيبة وخانقة على شعوب ودول الجوار.

وعلى الجميع أن يدرك ويضع بالحسبان أنّ تعاظمَ دور ونفوذ قوى التطرف الديني المذهبي – على اختلاف لونياته – اليوم والتي تقلل المعارضة السورية من شأنها ويبالغ النظام في وجودها وتأثيرها، سوف يصبحُ في قادم الأيام وبالاً على الجميع وحجرة عثرة في طريق التطور وبناء سوريا جديدة .

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أجهزة النظام الأمني لا تزال تعمل وتبذل كل الجهود لمواصلة تفتيت الصف السوري عبر إثارة الشكوك وزرع النعرات المختلفة التي ترمي إلى إضعاف المعارضة الوطنية بشقيها السياسي والعسكري ، وتسعى للَّعب على حبال التفرقة القومية والطائفية وحتى بقايا الانتماءات العشائرية – العائلية في المجتمع ، حيث تجودُ بأموال طائلة على القائمين بتنفيذ برامجها ومخططاتها أفراداً كانت أم جماعاتٍ.


ومن جانب آخر ، لم يهدأ بالٌ للدولة التركية التي تتابع مجريات الثورة السورية عن كثب وتراقب تفاصيلَها ومساراتها وعلاقاتها، وتسعى ومنذ اليوم الأول لانطلاقتها إلى تمرير أجنداتها وخدمة مصالحها الضيقة ، ولم يرقْ لها أن ترى بعض المناطق الكردية تدارُ من قبل أهاليها في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة من عمر البلاد ، فأقدمتْ على دفع البعض من المحسوبين على الثورة السورية لتنفيذ مخططٍ عدواني على مدينة رأس العين “سري كانيي” – محافظة الحسكة الحدودية وشعبها عبر هجوم غير مبرر لمجاميع مسلحة ( جبهة النصرة وغرباء الشام …) تجاوز عدد مسلحيها 1500 مقاتل ، وبدعم ومؤازرةٍ من رؤساء بعض العشائر وشخصياتٍ حاقدة على الوجود الكردي ، منتحلة اسم الجيش السوري الحرّ الذي تبرّأ منها عبر تصريح رسمي للمتحدث باسمه ، مما وفّر الذريعة ومهّد الطريق لإقدام السلطة – التي بات الانتقامُ من الشعب سمةً لها – على قصف تلك المدينة الآهلة بالسكان يوم 12/11/2012 بالطيران الحربي ، والتسبب بتهجير أكثر من عشرة آلاف مواطن وسقوط العشرات جرحى وضحايا شهداء من تلك المدينة ومن بينهم الشهيد عابد خليل رئيس المجلس المحلي لمجلس الشعب لغربي كردستان، وفتح الطريق أمام خلق فتنة قومية بين الكرد والعرب ودق إسفين بين مكونات المدينة والمحافظة .
في هذا السياق ، أصدرت الهيئة الكردية العليا بياناً إلى الرأي العام تدعو فيه الجماعات المسلحة إلى الانسحاب الفوري من المدينة لإعادة الحياة الاعتيادية إليها، إلا أن تلك الكتائب لا تزال تتواجد في المدينة وتلقى الإمدادات من الجانب التركي، ونؤكد مجدداً ضرورة تضافر كل الجهود في الداخل والخارج للضغط على هذه المجاميع المسلحة للانسحاب من المدينة الواعدة سري كانييه ، لأن في ذلك يكمن ألف باء الحرص على السلم الأهلي والتآخي العربي الكردي ووحدة الشعب السوري وصفه الوطني وسمعة ومستقبل ثورته الهادفة إلى تحقيق الحرية والكرامة وإنهاء الاستبداد ، وفيه أيضاً خدمة للوحدة الوطنية الحقيقية التي ستكون ضمانة لبناء سوريا الجديدة .
* جريدة الوحـدة – العدد / 232 / – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا ( يكيتي )

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

آراس اليوسف على خلفية لقاء أحمد الشرع على قناة شمس من كردستان العراق الناطقة بالعربية، وفي ظل التصعيد السياسي والعسكري المتزايد ضد الكرد في سوريا، تبرز الحاجة إلى تفكيك الخطاب الذي يُعاد إنتاجه اليوم، ليس باعتبارها رأياً إعلامياً معزولاً، بل كجزء من سياق أوسع يترافق مع انتهاكات ميدانية ومحاولات واضحة لزرع الفتنة. هذا الخطاب لا يأتي في فراغ، بل يتزامن…

خوشناف سليمان ليس مستغربًا أن يصدر هذا الخطاب عن ضابط سابق في جيش البعث الأسدي المهزوم. أسعد الزعبي فمن تشكلت عقيدته على الطاعة العمياء وقمع البشر. لا يمكنه أن يفهم معنى الدولة إلا بوصفها جهاز قمع. لكن الفضيحة السياسية والأخلاقية تكمن في محاولة عقد مقارنة بين سوريا الممزقة اليوم. التي تدار بعقلية الميليشيا والتكفير وإلغاء الآخر. وبين ألمانيا الاتحادية الديمقراطية….

عدنان بدرالدين تنطلق هذه القراءة من فرضية تحليلية قابلة للنقاش، لا من حكم تاريخي نهائي ولا من ادعاء امتلاك مسار الأحداث المقبل. مفاد هذه الفرضية أن ليس كل نظام يواجه غضبًا شعبيًا واسعًا يكون بالضرورة على حافة السقوط، ولا سيما إذا كان هذا النظام لا يستمد وجوده أصلًا من شرعية شعبية كي يخسرها. في الحالة الإيرانية، يبدو أن السلطة قائمة…

د. محمد رشيد للمرة الثانية في تاريخ الكرد، يتم الاعتراف بالكرد في شطرين من الأجزاء الأربعة لكردستان المقسمة. أولاً- المرة الاولى بعد عودة اسطورة الكرد مصطفى بارزاني من روسيا مع لجوء قسري في المنفي، واستقبال رئيس الجمهورية – الرئيس عبد الكريم قاسم – له، ومع الاعتراف بالكرد وتثبيته في الدستور العراقي ((العرب والكرد شركاء في العراق)) وبعد عشر سنوات بات…