نفقٌ ومنافقون

إبراهيم اليوسف

يزداد وضع نظام دمشق الدموي سوءاً، يوماً تلو آخر، وتضيق به السبل، والأحوال، حيث بان عارياً من آخرورقة توت، كان يستربها عريه، مادفعه للارتماء في حضنين متناقضين: أحدهما الدبُّ الروسي، وثانيهما المهرج الإيراني، وما تتفرع عنهما من كيانات، آيلة للزوال، أو راسخة في البلاهة السياسية، لماتزل وراء بقاء النظام على رجليه-وإن مهتزاً- بما يمكنه من ارتكاب المزيد من الفظائع والمجاز ربحق المواطنين السوريين العزل.

ولقد كان يوم الخميس 12/7/2012 أحد الأيام التي احتلّ فيها معدل القتل رقماً قياسياً، إذ زاد عن ثلاثمئة شهيد، أكثرهم في بلدة التريمسة التابعة لمحافظة حماة، والبقية، توزعوا على عدد من المدن والبلدات الساخنة، التي تواجه آلة الاستبداد.
لم يعد النظام يعنى بحبكة القصص التي عرف بتوليفها، منذ عقود، أمام الإعلام، كلما واجه شعبه بالقتل، كما تمَّ  في حلب وحماة وحمص وتدمر، وغيرها في ثمانينيات القرن الماضي، وكما راح يكرِّرها،في مابعد، في المناطق الكردية، بدءاً من مجزرة 12 آذار2004 ومروراً بقتل العساكر الكرد، وهو ما انتبهنا إليه، في منظمة حقوق الإنسان في سوريا-ماف، وفعلت ذلك منظمات حقوقية كردية شقيقة، أخرى، وليس انتهاء بما يجري الآن، حيث اختلاط الدم السوري، مشكلاً سفراً يؤسس لمستقبل  الثورة والوطن.
وجاءت مجزرة التريمسة، الأكثر بشاعة، والتي اشتركت فيها فلول قطيع الجيش والشبيحة، في تناوب جبان، إذ تم قصف المكان الوادع، في حضن نهر العاصي، كي ينحر الطفل والمرأة، والشيخ المسن، والضيف والمضيف، في آن واحد، لتدلَّ على وبائية العقل الدموي الاستبدادي، إذ أن إعلام النظام سرعان ما أعلن أن أبناء القرية استنجدوا بالجيش القاتل بسبب وجود غرباء، وليعلن بوق النظام جهاد مقدسي، في مؤتمر صحفي، أن يزور وقائع المجزرة، وكأنه يستعرض فيلماً بوليسياً، خيالياً، لايذكر البتة، بالمشاهد الواخزة للضمير الإنساني، لأسر قضت حرقاً، بالنيران، وتمّ التمثيل بجثث آخرين، وهم من أبناء التريمسة، ولم يكونوا مستقدمين من أماكن أخرى، وإن كنا نجد أن حوالي مليون ونصف مواطن سوري تعرفوا إلى النزوح، ويعيشون في قرى وبلدات ومدن، غير قراهم وبلداتهم ومدنهم ، فهل مجرد وجود هؤلاء في أماكن أخرى،يسوِّغ قتلهم؟.
 ويبدو،أن هذا الدم السوري الذي يسيل، على امتداد الخريطة السورية، لم يستطع أن يصلح كرصيد كاف، لانتزاع القرار الأممي، للوقوف مع الشعب السوري، من أجل منع روسيا، من تقديم الأسلحة المتطورة التي يقتل بها الأبرياء، من أبناء سوريا، وإقرار الحظر الجوي الذي سيختصر الطريق إلى إسقاط النظام الدموي، حقناً للدماء الثمينة التي  تسال.
إن روسيا التي واجهت نكسات، وإحباطات، متتالية، على امتداد ما يزيد عن عشرين عاماً مضى، تحاول أن تبحث لنفسها عن ردِّ اعتبار، يحفظ لها ماء وجهها المهدور، من خلال الفلاح في أحد الملفات، دون أن تفكر أنه إذا كان ثمن ذلك يكلف إزهاق أرواح سورية بريئة، فإن في ذلك، في الوقت نفسه، وأداًً لعلاقتها مع شعب طالما أحبها، لاسيما وأن الثورة السورية، ستنتصر، عاجلاً، وليس آجلاً، وهي قراءة لا تستعصي  حتى على من هو متحرِّر من الأميَّة السياسيَّة،أو يعانيها، بيد أن موشوارات السيد بوتين لاتفك إشاراتها الأكثر وضوحاً..!؟.
 لقد وصل النظام الدموي السوري، إلى آخر النفق، ومعه طاقم المنافقين، داخل سوريا، وخارجها، حيث أنَّ الثورة التي أشعلها أطفال درعا، وهاهي تستمر، في مواجهة أعتى آلة دموية،عديمة الأخلاق والمبادىء والقيم، قدمت للعالم كشفاً مهمَّاً، أبرزت خلاله التناقضات التي أظهرها”فرز”الثورة”، في الميادين كافة-والفرز مستمر تدريجياً من الصغيرة والصغير إلى الكبيرة والكبير إذ لم يعد هناك ماهو مخفي، يستوي هنا:الفرد والبلد، حيث هناك من يحمل”كتابه بيمينه” مقابل من يحمله” بيساره”، كي ترتقي الثورة السورية، إلى ذلك المقام الذي استطاعت فيه، أن تقسم العالم إلى قسمين، حيث حفنة، بائسة، منهزمة، تقف إلى جانب المجرم، وهو ينتقل من مجزرة إلى أخرى، وتستطيع أن تعرقل مسيرة التاريخ، وإن إلى حين، وأكثرية، ترى حقيقة مايجري، بيد أنها، مسلوبة الإرادة، لاتستطيع ممارسة الدور المطلوب منها، وهوما يجعل المجرم يواصل استمراءه لأنهار الدم المسالة، على يديه، في ظلِّ الرادع الأممي..!؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…