هَرِمنا.. من هذه الإنسحابات التاريخية

حسين جلبي

كانت مؤسفة حقاً، و تبعث على الحزن الشديد تلك الصورة التي ظهر بها الكُرد في الساعات الأخيرة من مؤتمر القاهرة الذي إنعقد خلال يومين طويلين تحت رعاية الجامعة العربية، تلك الصورة التي تصدرت المشهد القاهري و جعلت من أصحابها أبطال المؤتمر دون منازع.
فلقد إندفع مجموعة غاضبة من الأخوة المشاركين في المؤتمر إلى خارج القاعة حيث تنتظر وسائل الإعلام، و دخلوا أمامها في فاصلٍ من الصياح و الصراخ، لم يستطع المرء أن يفهم بسببه ماذا يريدون، أو يتبين القضية التي يرغبون بإيصالها، و قاموا بتنفيذ حركات غاضبة بأياديهم و أجسادهم زيادةً في الشرح العقيم،
كما قاموا بالدخول ـ حسب وكالات الأنباء ـ في إشتباك بالأيادي مع الآخرين، أخذ المرء يشك بسببه في حقيقة المكان الذي يتواجدون فيه، أو في أدراكهم لذلك، و قد جرى كل ذلك أمام غابة من المايكروفونات و الكاميرات، قبل أن يعودوا إلى القاعة ثانيةً، لنسمع فيما بعد، من غيرهم و ليس منهم، أن تصرفهم هو إحتجاجٌ على عدم ورود مصطلح الشعب الكُردي في وثائق المؤتمر، ليتساءل المرء مستغرباً عن الشعب الذي يُطالب بعضه بحقوقه بمثل هذه الطريقة، مع أن جله يعمل مع شركاءه الحقيقيين على أرض الثورة على إيجاد مكانٍ لنفسه في سوريا المستقبل، تحت أشعة الشمس، و ليس خلف الأبواب المُغلقة.
و ما يدعو للأسف أيضاً هو إنسحاب الكتلة الكُردية بجميع مكوناتها، بإستثناء د.

عبدالباسط سيدا، الذي عاد مرةً أخرى وحيداً في المجلس الوطني الكُردي، و ما قد يترتب على ذلك من إعادة الهجوم على شخصه، و ربما تخوينه، إلى المربع الأول، بعد أن كان الموقف منه قد تغير إثر تسنمه رئاسة المجلس الوطني السوري، و عودة المكون الكُردي إليه بعد إنسحاب، و سبب الأسف هو الإنسحاب بحد ذاته، الذي أصبح هو و التهديد به عادة كُردية في مؤتمرات المعارضة السورية، و سيفاً مُسلطاً على رؤوس الآخرين، حتى كاد أسم المُكون الكُردي يتحول إلى المكون المنسحب، فهو ـ أي الإنسحاب ـ و بصرف النظر عن أسبابه، و فيما إذا كان ذو خلفية عادلة أم لا، عادة سيئة ينبغي التخلي عنها، لأنه من غير المعقول أن يعجز هؤلاء الأخوة عن إيجاد آليات أخرى غير الإنسحاب لمواجهة تعنت الطرف الآخر، آليات قد تبدأ من مناقشة وثائق المؤتمرات قبل التورط في الذهاب إليها، و مناقشة جدوى هذه المشاركة، و لا تنتهي برفض المشاركة منذ البداية.
أما الشئ المؤسف الآخر، و الذي يستحق الإدانة أيضاً، فهو عقلية البعض من المعارضة السورية، و التي تتفق مع النظام السوري في إنكار حقيقة الشعب الكُردي الواضحة كالشمس، حتى أن المرء يشك بأن إنكارهم لهذه البديهية ينطوي على نوايا سيئة، و هو عبارة عن قنبلة موقوتة يتقصدون وضعها كل مرة، و في اللحظة الأخيرة، في بياناتهم، لينسفوا بها كل الجهود التي توصلت إلى التقريب بين مختلف الأطراف، و لينسفوا كذلك النوايا الطيبة التي أبدوها، و الإستعدادات التي أظهروها للإعتراف بحقوق هذا الشعب، و كأنهم يرغبون الوصول عبر فعلهم المتكرر ذاك إلى تلك المرحلة التي ليس للنظام فيها أي وجود، و كذلك للكُرد أيضاً، ليستفردوا بالشعب الكُردي، و كذلك بالساحة السورية، و يصوغوها حسب أهواءهم، و هو وهمٌ يعجز النظام نفسه في الإستمرار فيه.
ما هو الحل إذاً مع هذه المعارضة السورية المتصلبة؟
و ماذا عن الخداع الذي يقع فيه كل مرة من يتنطح لتمثيل الشعب الكُردي، دون أن يستفيد من تجاربه؟
ثم إذا كانت سنة و نصف من عمر الثورة غير كافية لإقناع المُعارضة بأن الكُرد هم شعب مثل العرب و غيرهم، فكم من الوقت سيستغرقه تحقيق أي حقٍ من حقوق هذا الشعب؟
أعتقد أن هذه الأسئلة هي التي يجب أن نشغل أنفسنا بها على المستوى السياسي قبل أن نندفع للإشتراك في مؤتمرات ليست لها أي ضرر على النظام، أو أية فائدة مرجوة على الحِراك الثوري على الأرض، لا بل أنها تصيبه في كل مرة بمزيد من الأحباط، الذي يسعى النظام جاهداً للوصول إليه.
إننا و نحن إذ نطرح هذه الأسئلة فإننا و مرة أخرى، و دون مناقشة أحقية الإنسحاب من عدمه، نشير إلى أن هناك أصواتاً عاقلة و بعضها كان يقف في المنطقة الرمادية راحت تنتقل بسببه إلى الضفة الأخرى التي نقف مقابلها، بسبب ما تعتبره من إشتراك الكُرد في تحمل نسبة كبيرة من المسؤولية عن الفشل في توحيد المعارضة السورية، و عدم مبالاة الكُرد بدماء السوريين، و عدم الإهتمام بالثورة السورية إلا بمقدار ما تعطيهم من حقوق، فهل سنتجاهل هؤلاء و طروحاتهم، و سنستمر على هذا النهج في إستنزاف رصيدنا من الحلفاء.

و من جهةٍ أخرى، لا بد من التذكيرثانيةً في معرض ما هو متوافر الآن بالإحتمال المستحيل، ألا و هو عدم سقوط النظام، فهل سيكون عندها عودٌ على بدء في المطالبة بالحقوق الثقافية و تعزيز أواصر الأخوة العربية الكُردية؟
و سؤال أخير بلغة المحبة للأخوة الذين تصدروا المشهد أمس أمام قاعة المؤتمر: تُرى ما هي الفائدة التي حصلتم عليها حين توجهتم إلى الصحافة و ظهرتم أمام العالم بتلك الصورة، في حين أن المشكلة كانت في مكانٍ آخر قريب، خلفكم في القاعة؟ هل شكل ذلك أي ضغط على هؤلاء المتواجدين فيها و غيَّر مواقفهم؟ ألم يكن الأجدى التوقيع على وثائق المؤتمر و تسجيل إعتراضكم على تلك الفقرة الإشكالية التي لن تساوي مثلها مثل كل المؤتمرات و كل الوثائق الصادرة عنها شيئاً حال سقوط النظام، و إذا كنتم قد قررتم الإنسحاب، ألم يكن الأفضل أن يتم ذلك بهدوء عبر بابٍ آخر لا يمر عبر كل ذلك الضجيج؟
04.07.2013
jekebi@hotnail.de

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…