موَّال ديري*

إبراهيم اليوسف

إلى نهرالفرات العظيم جريحاً وإلى أصدقائي هناك..!

  مايحدث في سوريا، الآن، ليدلُّ على أن نظام الاستبداد الدموي الذي خلع جانباً كل القيم الإنسانية والوطنية، بات -أمام تصامم الضمير العالمي الرادع- على بوابة مرحلة أخرى، وهي تحدِّي العالم كله، وذلك بإدارة ظهره للدساتير والقوانين الناظمة للعلاقات بين الأسرة الدولية، بل ونواميس الأخلاق، في مواجهة الحالات السعارية المستحاثية التي لمايزل هناك من يمثلها في منطقة الشرق الأوسط، ويصلح نظام الطاغية الأبله، كأنموذج، ورث تلك الخصال، ويعيش الحاضر بمفاهيم الماضي التي أسس دعائمها، سلفه الوحشي، في ظلِّ معادلة دولية، ذات مواصفات محدَّدة، لم يبق لها الآن من أثر، في ظلِّ قطبين رئيسين كانا آنذاك، هما: الاتحاد السوفييتي، وأمريكا، لم يبق منهما إلا واحد، يواصل تخبُّطه، في ظل غيابة صنوه،
إذ يحاول كل من نظامي سوريا وروسيا البائسين، المنحدرين إلى هاويتيهما -كل حسب توقيته- والمندحرين، لا محالة، العيش في أحلام الأمس، التي كان يستثمرها نظام دمشق الدكتاتوري، في تضييق الخناق على شعبه، بذريعة مواجهة إسرائيل، في الوقت الذي يمدُّ فيه يده لإسرائيل، في مصافحة مستورة، تحت الطاولة، غدا إيقاعها، الآن، متصادياً في آذان العارفين بشؤون السياسة، والعامة، من أناسي العالم عامة، على حد سواء..!.
ولعلَّ الذَّريعة التي أطلقها الشبِّيح لافروف، في خوفه من تطور الأوضاع في سوريا، إلى احتمال نشأة “كيان” كردي، أمرٌ يمكن قراءته، في أوجهه المختلفة، فهو إعادة إيغار لصدر الأتاتوسلامية في تركيا، لتكفَّ عن دعمها اللفظي للثورة السورية، كما أنها تبين أمراً بالغ الأهمية، وهو اتكاؤه على سياسة معاداة الشعب الكردي، لئلا تقوم له قائمة، وهو أمر يتناقض وأيَّ فهم إنساني، وأية قوانين، أو شرائع، ويدفع إلى تتبع أرومة التقصير الكوني مع هذا الشعب الذي يعيش على أرضه التاريخية، منذ آلاف السنين، بل من أجل ضرب المكونات السورية ببعضها بعضاً، في سيرك الفوضى الدموية، وبازار المصالح، للحفاظ على ماء الوجه، كشريك فعلي للمجرم القاتل في سوريا، مادام أنه يمدُّه بأحدث أنواع الأسلحة، والعتاد، والخبرات، والفيتو لنصرة هذا الطاغية، في حربه على شعب سوريا.
وإذا كان النظام الآفل في دمشق، قد ارتمى في أحضان نظام روسيا الدكتاتوري -شبيهه استهتاراً بالقيم والأخلاق- جرياً على خطوات سياسة كانت وليدة مرحلة معينة- فإنه يعتبر ثمن هذا الزواج الرَّخيص إطلاق يده، بزرع الفتن في المنطقة، كاملة -ولاتزال ظلال ذلك ماثلة- كما أنه مارس كل سياسات الاستبداد بحق شعبه، بدءاً من محاولة إلغاء شخصية السوري، بكل مفرداتها، ووصولاً إلى مرحلة إلغائه كمواطن، ووطن، واقعيين ومجازيين، مالم يختزل في يدين مصفقتين وشفتين مسبِّحتين، بحمده، وهذا هو الدرك الأكثر خساسةً، قياساً حتى إلى مراتب الطغاة، وتدرُّجاتها في مستنقعات التاريخ.
وفي الوقت الذي باتت شرارة الثورة التي اشتعلت قبل ستة عشر شهراً، تتوسَّع، لتكون طبق خريطة وطن جريح -على عتبة تحوِّله الكبير- وراح العالم المتفرِّج يتوقع أن يحمل فريق الطغاة، المهرِّجين، المتبرِّجين، حقائبهم، هاربين عبر أقرب طائرة هيلوكوبتر في القصر “الجمهوريِّ” هي على أهبة الطيران في كل لحظة، فإنَّ وعَّاظ الرئيس الشِّبه، لا الشِّبل، راحوا يحضُّونه على سياسة ” تنِّح” بكسر النون المشدَّدة، بدلاً عن“تنحَََّ” بفتح النون وتشديد الحاء المفتوحة، لتكون حربهم مفتوحة على سوريا، الدريئة، البريئة،، موطناً، وطيراً، ومواطناً، وشجراً، وحجراً، بل وبيئة، وهذه الأخيرة، لا تقلُّ خطورتها عن كل مفردات الإبادة الكائنة، باعتبارها، تتوجه إلى المستقبل، كي تجهز عليه، وعلى سوريِّهِ، في آن واحد، والسوري هنا، كل فضاء الكيلومترات المئة والستة والثمانين، المعروفة، في عرف الجغرافيا، والأرضين، روحاً، وإرثاً، ومدى.
أمام كل مايدور، ها هو بشار الأسد، الدعيُّ، يتشدَّق أمام طاقم حكومة كارتونية**، أن ما يجري في سوريا حرب حقيقية، مايذكرنا بالمجرم الذي يواصل القتل، بحق الأبرياء، وهو يتحدَّث عن قيم السمو، والحق، دون أن يكلف نفسه بالسؤال: من صنع هذه الحرب، ويديرها؟، وأن سوريا كانت بألف خير، لو أنه ظهر في 15 آذار ماقبل الماضي، أمام العالم قائلاً “ها أنا راحل، فأديروا دفَّة البلاد، وفق، إرادتكم، ما دمت أمثل النسخة الساقطة، من فنون إدارة الحكم، معتذراً عن جرائمه، وأبيه، وبطانته، فإن سوريا كانت الآن، تعيش عصرها الديمقراطي الذهبي، ماضية على سنة صناع سوريا الاستقلال الأولى، وهو أولى أن يكون صراطاً لخلاص الوطن السوري ومواطنه العظيمين، ولكنا تجنبنا تبعات فتنة، ستلقي بذيولها -إلى حين- وهي تعدُّ صناعة النظام المجرم، بامتياز، والماركة المسجلة باسمه.
إنَّ كل استمرار للنظام المجرم، في مواصلة حله التدميري، إنما يلحق الضرر بالمستقبل، ومعادلة الوطن، لأنه تدمير يسير في اتجاهين: اللحظة الحالية، ومايبدر عنها من ألم سوري، نتيجة جرح مفتوح الشفاه،على مدى360 درجة، واللحظة المقبلة، لما يترتب  من جراء اللعب على أوراق الفتنة، ومحاولة تسخير الدم والروح، قرابين للعرش الزائل، إما من خلال شراء ذمم المرتزقة الشبيحة، أومن خلال تجاوز مرحلة دغدغة المشاعر، المبيتة، باستفزازها، وإيقاد وإيقاظ فتيل ديناميتها الذي كانت حكمة المواطن، تتغلب، على دواعي السوء فيه، بأخلاق مائزة، وهي مأثرة مواطننا النبيل..
الأخبار الواردة، من دير النشامى، أو الزور، حاضرة الفرات العظيم، طعين الخاصرة، والظهر، تبين أن النظام يشن حرباً هوجاء، على هذه المدينة الباسلة، مدينة النخوة، والإباء، تدك أسلحته الثقيلة، وطائراته، أهدافها، كي يقول لسان حال عابر المدينة، مكرهاً، إنها تكاد تكون مدينة أشباح، الجثث على الأرض، جرحى المستشفيات يتم إعدامهم، لامنجى لطفل أو امرأة من حمم النار التي تحرق أخضر المدينة، ويابسها، على غرار فيلم هوليودي، الأطفال ظمآى جائعون، كذويهم، حبيسي البيوت، في انتظار دورهم  قبل رصاص الشبيحة، وأجهزة الأمن، والعسكر الهمجي المساق إلى قتل الأهلين، لاماء، لا كهرباء، لاهاتف، في أكثر الأحياء، زد على ذلك، أن حواجز الأمن تمنع الأهلين من التوجه إلى الجهات المفتوحة، ومن بينها محافظة الجزيرة، حيث هناك بيوت أهليهم، من الكرد، والعرب، المسلمين، والمسيحيين، والإيزيديين، مشرعة الأبواب، تنتظرهم ليقاسم ذووها معهم الرغيف، وحلم السقوط الأكيد لآلة الاستبداد والقهر.
وحال الدير، هو استنساخ لأحوال أناسي حمص، وحماة، وإدلب، وركن الدين، والحفة، وجبال الأكراد، وبانياس، والرستن، وغيرها من معجم المدن الأبية التي تنفض عن ترابها الطاهر، أصنام الطاغية، وصوره، في إعادة كتابة للمكان، وديموغرافيا الجسد الوطني، على إيقاع يشبه لحظة الحرية المنتظرة، كي تستحم، دافعة ضريبتها، لتربط أبناءها، بعناوينهم المختلفة، وهو عنوان واحد صنعه إبراهيم هنانو و يوسف العظمة، وسلطان باشا الأطرش، والشيخ صالح العلي، وغيرهم من الأباة العظام، ضمن الخريطة عينها، حيث يستعيد الأبناء سيرتهم، بأساً، وسؤدداً، عملاقين، لأن عدو اليوم ، لأشدُّ بطشاً، وبشاعة من عدو الأمس، وسواه، وأن أسوأ أنواع الجريمة، جريمة من هو في مقام الولاية بحق رعيته، بل إن مافعله الطاغية، بحق شعب، يفترض أنه شعب”ه”، أمر غيرمسبوق، بأنموذج، يخجل عن ارتكابه حتى نيرون نفسه، شبيهه في فلسفة الهستريا الدموية..!.
ثمّة قضية بالغة الأهمية، لابدَّ من الانتباه إليها، مفادها أن استمرار النظام، في غيه، وإيلاغه الدموي، ليشكل كارثة كونية حقيقية، إضافة إلى ما يلحقه بإنسان سوريا وترابها، من دمار وموات فادحين، فاضحين، حيث ينفذ سياسة إنهاك سوريا، المملاة عليه، لتكون سوريا المستقبل، مسخاً، مشوهاً، وملعباً لسياسات الطامعين، وهو هدف إسرائيلي، في الدرجة الأولى، قبل كل شيء، ناهيك عن أنه مبتغى للكثيرين من دعاة الديمقراطية الذين هم الآن، في صدد الانتقام من السوري، وتقديمه في طبعته الهشَّة، كي لا يستعيد عافيته، إلا بعد عقود، لأن كل يوم من استمرار سياسة “التشبيح”، من شأنه، دفع سوريا إلى التقهقر أعواماً، في موازين سياسات المستقبل، وإن كانت هناك -ثقة- بالسوري في تجاوز محنته، والاستواء واقفاً، بعد سقوط النظام الذي سيتم خلال الأشهر القريبة، في أبعد احتمال، لكي نبني معاً سوريا التي تشبه روح أبنائها الطيبين، الاستثنائيين، طهراً، ونبلاً، ووعياً، بعد أن كشف الدخلاء عن روحها سوء طوياتهم أجمعين…!.
**لقاؤه بحكومة “الذكرى” الأخيرة…؟!
elyousef@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…