دعوا الأقلام وانزلوا الى الساحات؟؟!!

 المحامي محمود عمر

لم يكن اندلاع ثورة في سوريا في حسابات السلطة أو المعارضة, السلطة كانت مطمئنة لكل شيء و طالما كانت تتباهى بكونها قد أصبحت الوصية على الوطن والمواطن وان كل شيء تحت السيطرة وانها استطاعت خلا ل عدة عقود ترويض كل صوت نشاز بعد ان بلعت السياسة من المجتمع بعد قوت المواطن.

المعارضة كان مصطلح الثورة قد هجر برامجها منذ أمد بعيد بعد ان ترسخت عندها القناعة بأن عصر الثورات قد ولى , وقد أصابها اليأس من ان هذا العهد لن يعود,  وجميعنا يذكر كيف ان المعارضة السورية التي تأطرت في ائتلاف ما سمي بإعلان دمشق وضم مختلف القوى السورية ومن ضمنهم الكورد كيف ان معظم نقاشاتها وحواراتها وخلافاتها وخاصة بعد الضربات الموجعة التي تلقتها من السلطة كانت تدور حول ايجاد آلية توافقية تحد من ضغط النظام وتوفر مساحة للعمل وكان الاتجاه يسير نحو التخلي عن مفهوم ومصطلح التغيير لصالح مصطلح الإصلاح علً ذلك يجعل النظام يغض الطرف نوعا ما عن نشاط الاعلان.
اندلعت الثورة واتسعت رقعتها لتشمل في طرفة العين كل مساحة الوطن وسارت أفقيا وعموديا كما يسير النار في الهشيم .
 السلطة جن جنونها فهي لم تتوقع يوما هذا من رعاياها الهادئين المساكين الطيبين , ونظرت الى المنتفضين كأولاد عاقين لأولي الأمر, وبحجم جنونها الذي لم يهدأ الى اليوم كشفت عن أنيابها وما زالت تعمل في البلاد والعباد ـ وأمام مرأى العالم ـ قتلا وهتكا وتدميرا وحرقا للأخضر واليابس, ولحينه لم تنفع كل المبادرات والفرص للجمها وأعادتها الى جادة الصواب وكبح جموح تماديها واستبدادها  فلسان حالها فقط يقول هل آنستم الها غيري.
المعارضة فاجأتها الثورة بالقدر الذي فاجأت به السلطة ولأنها معارضة ضعيفة ولا تمتلك أدوات السلطة فإنها أصيبت بالذهول والتردد والخجل كونها لم تستوعب الأمر ,ولحينه لم تستطع أن تمثل الحالة الثورية ومنذ البداية حاولت الاختباء في عباءتها القديمة ولكن أنى لها ذلك أمام ارادة طفل بريء صغير خرج لها الى الشارع وهو لا يفقه من أحابيل السياسة شيئا, خرج الى الشارع بصدره العاري وكفيه الغضتين الخاويتين وهو ولا يملك الا صوته ليقول هادرا اريد حريتي وكرامتي ولن أعود من هنا الا بهما , أو اعود شهيدا, وكانت عيناه في الشارع ولم تزل تفيض بالدمع وهو يبحث عمن يحمل صدى صوته أو يحمل نعشه حين يغدو شهيدا, ولكن المعارضة ظلت أمام هذه الحالة الثورية  قليلة الحيلة وبائسة في أغلب الأحيان كونها لأن أدواتها الرثة وأساليبها القديمة عاجزة من أن تجاري هذا الواقع الجديد ,ولأن اللعبة وكما يقال أصبحت على المكشوف لم تعد ورقة التوت تنفع لستر العورات  وظلت المعارضة ولحينه تتخبط هنا وهناك وما زالت قاصرة لأن تكون لسان حال الثورة التي فجرها هؤلاء الصغار .
ولم تكن الحالة الثقافية في البلاد  بأكثر تقدما من الحالة السياسية المعارضة, حيث لم تستطع يوما التنبؤ باندلاع الثورة بل كانت على العموم تحاكي في مواقفها وكتاباتها الحالة السياسية التي لم تتجاوز مقولة ان المزيد من الضغط والقمع يفضي الى المزيد من الإحتقان ,والخطر الوحيد الذي كانت تشير اليه هي الأوضاع في البلاد تسير نحو المجهول, لذلك لم يكن حال المثقفين بأفضل من المعارضين  السياسيين والكثير حاول التخفي تحت عباءة المواقف السياسية, وخلال عمر الثورة  كان أفضل عمل تقوم به هو الرصد وظلت تفتقر الى التحليل أو التأسيس لحالة نظرية وفكرية تضع حلولا للأزمة , وبالطبع لم يكن هو المأمول منها لأن الثقافة هي في مثل هذه الظروف هي تعبير عن ضمير الأمة وأمالها وآلامها , ولكن قراءة بسيطة لكل ما كتب وقيل يظهر لنا بجلي ان الحالة الثقافية العامة ظلت متخلفة ولحينه لكي تكون ضمير الثورة .

.

والحالة الثقافية للكورد لم تكن أكثر تطورا من الحالة السورية العامة, فمع استمرار نزيف الدم لم تستطع الكتابات والمواضيع التي تنشر على صفحات مواقعنا ان تتجاوز الحالة التي اعتدنا عليها منذ عدة سنين بل ظل ديدنها الذي ألفناه هو النقد الجارح والذم والقدح والمدح وجلد الذات حينا وتفخيمها أو تفخيخها أحيانا أخرى, ولعل ما يمكن فقط الإشارة اليه خلال عمر الثورة ان البعض وكحالة للهروب مما هو واجب عليه في هذه المرحلة, فقد انتشر في الوسط الثقافي الكردي ظاهرة المحاضرات والأمسيات الثقافية في المقرات الحزبية التي ظهرت بدورها فقط لترسيخ الحالة الحزبية المتأزمة أصلا, ولكن ظل معظم ما شهدته هذه المقرات من مواد بعيدا كل البعد عن واقع ما تعيشه بلادنا وبعيدا عن نبض الثورة , لذلك و مع التقدير والإجلال لبعض الأصوات والأقلام التي ظهرت كحالات فردية هنا وهناك ودفعت ثمن مواقفها الدم والاعتقال والنفي, نقول لذلك وما دمنا عاجزين في ان نجاري الثورة أو نكون ضميرها وما دامت كتاباتنا وسياساتنا هذه لا تجدي وتنفع , فمن الأجدى بنا أن نترك هذه الأقلام والكتابات حينا من الدهر, وننزل الساحات ونصرخ بأعلى أصواتنا كفى يجب أن يتوقف نزيف الدم هذا وتبت كل يد لا ترفع لأجل هذا الدعاء وتبت كل يد تساهم في طول أمد هذا الجرح النازف.

———

ملاحظة : تم اعادة نشر المقالة لان خلل فني في المرة الأولى أدى الى اقتطاع جزء منها اثناء النشر
لذا اقتضى التنويه

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين كلين   ياسادة الافاضل : سياسة التغير الديموغرافي التي اتبعتها الحكومات السورية المتعاقبة وبدون استثناء بحق الشعب الكردي ، كانت تستهدف نقل عائلات علوية ودرزية الى الجزيرة ونفذها الوزير مصطفى حمدون في الخمسينيات القرن الماضي ( والذي لم يصدق فاليذهب الى ديريك ثم الدجلة … ) ثم تغير اسماء البلدات والقرى الكردية وتعريبها ، مثلا قريتي : كندى شيخ…

د. محمود عباس قضية اللغة الكوردية ليست قضية حروف ولهجات ومناهج فحسب، بل قضية وجود. فهي تقف في رأس هرم القضية القومية الكوردية في مجمل جغرافية كوردستان، لأن الأمة التي تُمنع من لغتها تُمنع من تسمية ذاتها، ومن كتابة تاريخها، ومن توريث ذاكرتها لأجيالها. لذلك فإن يوم اللغة الكوردية ليس مناسبة لغوية عابرة، بل يوم كوردستاني عام، يمسّ جوهر حق…

إدريس سالم   تُعدّ ظاهرة «التغيير الديمغرافي الفكري» واحدة من أعقد العمليات السياسية، التي أعادت صياغة «الوعي الجمعي الكوردي» بعيداً عن امتداده التاريخي التقليدي، إذ استهدفت استبدال المنظومات القيمية والسياسية الموروثة بكتل فكرية مؤدلجة وسرطانية عابرة للحدود، ليمثل غزواً ناعماً يتجاوز الصراع العسكري، ويطال الخرائط الذهنية للمجتمع، حيث جرى إفراغ المناطق من هويتها السياسية التعددية وحشوها بأيديولوجيات شمولية تخدم مشاريع…

آخين ولات ليست مسألة انتماء الكرد إلى الدول التي يعيشون فيها قضية يمكن اختزالها في اتهاماتٍ جاهزة أو أحكامٍ مسبقة عن “الولاء” و”الاندماج”. إنها، في جوهرها، مرآةٌ تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وحدود قدرتها على استيعاب التعدد داخل إطارٍ وطنيٍ جامع. فعلى مدى قرنٍ تقريباً، نشأت في المنطقة دولٌ حديثةٌ رفعت شعارات الوحدة والسيادة، لكنها تعاملت مع التنوع القومي…