كيماوي الألفية الثالثة

إبراهيم اليوسف

يبدو أن بشار الأسد الذي يدفع لحياته بموت من حوله، ولاضير لو كان ذلك الشعب السوري كله، وهي خصيصة الدكتاتور الجبان، عادة، وذلك على ضوء قراءة التاريخ، حيث أن دليلاً واحداً، كان يلزمه، ليؤكد شجاعته -وأنى له ذلك وهو فاقد الأسباب والأدلة جميعها هنا؟!- وكان ذلك يتجسد في أن يظهرعلى إحدى الفضائيات،أوفي مؤتمرصحافي، ويعلن على الملا، أنه غير مستعد لهدر نقطة دم سورية واحدة، إذا كانت سوريا ودماء أهلها عزيزة عليه، وفي ما إذا كان من ذلك الصنف الوطني الذي تحدث عنه، في خطابه المتهتك الأخير، أمام ببغاوات ما يسمى بمجلس الشعب، ومهرجيه،
 بل إنه بذلك صنف نفسه، وكما يستحق بين اللاوطنيين، وهم الخونة بكل تأكيد، وهو الموئل الطبيعي لكل من يتسبب في بتر غصن واحد، من شجرة الوطن، لا قرع الأجراس، والاستنفار من أجل رصف المجزرة تلو الأخرى، وما حدث في قرية القبيرة “الآمنة” * التي سأشير إليها في مقال لاحق، إلا مثال جديد، عن شبق التعطش للدم الآدمي، وافتدائه بنعيم كرسي الحكم، ما أن هدد.

ولعل صفة الدكتاتور التي حلم الأسد الصغير، بأن ينعت به، وذلك عندما قال ذات مرة، رداً على من اتهمه بسذاجته، في الحكم،  وخلاصته: إلا أن هناك من يراني، في المقابل، دكتاتوراً!؟، ويبدو أنه كان جد معني، بأن يؤكد في المختبر السوري، كمال دكتاتوريته، بما يرفعه إلى اللياقة بوراثة أبيه، وبشرط مؤسسة الفساد الدموية التي كانت معنية ب”صناعته”، وفق الشرط الوراثي المسبَّق، والموصوف.
وفي استعراض، للانتهاكات التي تمت عبر عقد ونيف من وصول هذا الطاغية، إلى سدة الحكم، خلال الطريق اللاشرعي، وعبر بوابة المؤسسة الأمنية التي فرضته، في إطار حمايتها لمصالح متواشجة، ذاتية، وإقليمية، ودولية، فإننا نجد التضييق على الحريات،والزج بأصحاب الرأي في السجون، وإطلاق أيدي أجهزة المخابرات، ومصادرة الحريات العامة، ومنع الإعلام الحر، وتصفية كل من يقول “لا” لنظام الحكم، واعتبار ذلك خيانة وطنية، بالرغم من أنها أبسط أشكال حرية الرأي، وتطبيق فحوى”عقد المواطنة” المطلوب.
وطبيعي، أن من يكون في مثل هذا المقام، فإن سبيله إلى بسط حكمه، لن يكون إلا عبر خيار الاستبداد والقمع والعنف، وهو الخيار الذي لا مستقبل له، أياً كان شخص المعتمد عليه، لأنه خيار ساقط، مهما كان إرث تعميده الدموي هائلاً، إلا أن الأسد الصغير، لم يرد، وبتوجيه بطانة الحكم الموروثة عن أبيه، أن يكون مجرد طاغية عادي، بل إنه راح يترجم ذلك، عبر الحديد والنار، بشكليهما الحقيقيين، لا المجازيين، ليكون الكلاشينكوف، إلى جانب الآربيجي، والهاون، والقنبلة.

ولتكون الدبابة، إلى جانب المدرعة، والغواصة، والبرمائية، بل وطائرة الهليوكوبتر، والطائرة المقاتلة، وهي كلها أدوات لايمكن أن يستخدمها أحد، إلا دفاعاً عن ترابه من شبح محتل يريد محوه، لا في مواجهة من يريد أن ينشر الحرية والسلام في الوطن، بعد ثبات سقوط هذا النظام، معنوياً، من قبل شعبه، وهنا، أصعب أنواع السقوط، لأن أية مواربة أو مداراة، لإعادته إلى ماضيه، أمر في عداد المحال، وهو ما لا يريد الأسد الصغير تصديقه حتى الآن، غيرمدرك أن ما تركه من قتل وخراب ودمار وحرق، لايمكن أن يستقيم مع بقائه، ونظامه الراحلين لا محالة، لاسيما وأن هناك أربع سقطات لنظام حكمه، إحداها شعبية، والأخرى وطنية، بالإضافة إلى السقطة العربية، والدولية، وهذا ما لايمكن إخفاؤه بأية وصفة، إقليمية، أو دولية، تحتقر الدم السوري الطاهر، حتى ولو بحثنا عنها في” روسيا” أو الصين”…!
وما وصلني ليلة أمس، من خلال عدد من الناشطين، في التنسيقيات الكردية، في جبل الكرد اللاذقي -ووزعت الخبر على بعض وكالات الأنباء ومنها ميديا نيوز- وهو أن طائرات النظام قد رشت غازات ممنوعة، في منطقتهم -كما تم في منطقة الحفة وجبل صهيون، وربما غيرها من الأمكنة المماثلة-وهي من عداد الغاز الكيماوي المحرم، ومن بينها س 516 وغيره:  بالإضافة إلى إلقاء القنابل اللولبية في أماكن عدة، تكمل”عدة” الجريمة لدى الأسد الصغير، ونظامه، وتجعله في مصاف صدام حسين أوعلي الكيماوي-وكلاهما من كيماويي الألفية الماضية- إلى جانب غيرهما ممن أمروا أو نفذوا قصف شعبهم بمثل هذه الغازات المحرمة، الأمر الذي يجعلنا أمام صفة أخرى ، هي”الكيماوي” للموصوف الأسد، ليكون “كيماوياً” بامتياز.

ولكن، في ألفية جديدة، صارت هيروشيما وناغازاكي وحلبجة من جراحات التاريخ الماضي، وهذا ما ذهبت إليه شهادات بعض ممثلي التسيقيات، وقد قرأت عما يفعله هذا الغاز بضحيته، عن طريق أحد شبان الثورة،أثناء تواصله معي، قبل عرضه، بوساطة الفضائيات التي نقلت الحدث.
أن يكون بشار الأسد كيماوياً، تلك صفة اختارها، هو بنفسه، إذ لم يعد يهمه أية صورة له، سترتسم في” ذاكرة الأجيال” السورية القادمة، وهي تقرأ كتب التربية الوطنية الجديدة، طاهرة من اسم هذا الطاغية، وصانعيه، حيث سيستذكر تلامذة سوريا، ذات يومي سوري جد قريب، ثورتهم، وشهداءها، الذين ستحفر أسماؤهم، على لوحة الشرف الوطني، كي يشار إلى حفنة من مجرمين مارقين، لوثوا تاريخ المكان، فلفظهم، وشر أعمالهم، إلى الأبد.!

*مقال قيد النشر

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم ما تشهده المناطق الكوردية في سوريا من اعتصامات ومظاهرات ليس حدثاً عابراً، ولا يمكن اختزاله في رد فعل آني على أزمة معيشية طارئة. ما يجري هو تعبير متراكم عن غضب شعبي ناتج عن سنوات طويلة من سوء الإدارة، وغياب الشفافية، وانعدام المساءلة، رغم أن هذه المناطق تُعد من أغنى مناطق سوريا بالموارد الطبيعية والزراعية. السؤال الذي يطرحه الناس…

يقول زعيم العمال الكردستاني عبدالله أوجلان: إن من أهم المخاطر المهددة لتركيا هي الكيان القائم في شمال العراق بشكل خاص تحت تسمية “الكيان الكردي” ففي الصفحة 173 من كتابه (( دفاعي منعطف على مسار الحل الديمقراطي)) يشير قائلا ً: بقدر ما نسعى إلى إبعاد تركيا وإنقاذها من المخاطر الكبيرة المنتظرة، فإننا أيضاً نود عودة تركيا إلى القوة والعظمة التي كانت…

ماهين شيخاني في تاريخ الشعوب محطات سوداء تبقى شاهدة على ظلمٍ عابر، وهناك محطات أخرى تتحول إلى أدلة إدانة دائمة ضد أنظمة حاولت إعادة تشكيل الجغرافيا والإنسان بالقوة. ومن بين أكثر الصفحات قتامة في تاريخ سوريا الحديث، يبرز مشروع الحزام العربي بوصفه واحداً من أخطر مشاريع التغيير الديموغرافي المنهجي التي استهدفت الشعب الكوردي في القرن العشرين. لم يكن الأمر مجرد…

عبدالكريم محمد في بقعةٍ من هذه الجغرافيا الممزقة يعيش شعبٌ بلا وطنٍ مكتمل، وبلا إرادةٍ حرة، وبلا قيادةٍ تشعر بمعاناته. شعبٌ يُطلب منه أن يحتفل بأعيادٍ ومناسباتٍ وشعاراتٍ لا يصدقها حتى أصحابها، بينما يدرك الجميع أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى ستارٍ لإخفاء الفساد والفشل وسوء الإدارة. هل يُعقل أن تعاني الحسكة من انقطاع المياه والكهرباء وغياب المحروقات والمولدات،…