في منشور إبراهيم محمود الشخصي

حسين جلبي

يُحزنني حال الإنسان الكُردي، يُحزنني خاصةً ما وصل إليه حال بعض المثقفين الكُرد، إذ أن الكُل يشكو و يتذمر من إهمال الآخرين المتعمد له، و ذلك في معرض التذكير بنفسه و بضاعته التي يعتقد أنه يستحق التكريم بسببها أنّا توجه، لا بل صنع تماثيل ذهبية له في كل ساحة و على رأس كل شارع، و في نهايته أيضاً.
و يُعتبر الحقل الثقافي الكُردي، مثله مثل الحقل السياسي و حقول أخرى مُشابهة، من الأراضي الجدباء أو قليلة الإنتاج، و هو و إن حدثت فيه طفرةً ما فإنه لا يعود على صاحبه و العاملين فيها بأي مردود ذو قيمةٍ تذكر، فالعمل في هذه المجالات في الأصل من الأعمال الطوعية التي يدخلها الشخص لسببٍ غير مادي غالباً، كما أنه يستطيع أن يُغادره متي يشاء دون أن يترتب على دخوله أو مغادرته أية عواقب غير محمودة، حيث لا عقد أبرمه مع أحد و لا شروط جزائية في عقدٍ غير موجود كما ذكرت.
شخصياً، و لستُ أقصدُ، صدقاً، الإهانة فيما سيأتي، لم أقرأ واحداً من الكتب الخمسين التي يقول الكاتب إبراهيم محمود أنها من مؤلفاته، و ربما أيضاً الكثير، من تلك التي تشبه ما تحتويه مكتبته، و التي يقول أنها تقدر بمبالغ طائلة، و قد يكون السبب هو أنني طارئٌ على المؤلَّف ـ بتشديد و فتح اللام ـ الكُردي، أو لم ألتفت إليه كما يجب خلال رحلة المعرفة، لكن ذلك لم يجعلني أُمياً في القومية الكُردية، كما لم يُضيع القومية الكُردية من عقول و قلوب الكُرد في الفترة السابقة على ظهور تلك المؤلفات الخمسون، و أتصور أنها لن تكون بذلك التأثير الأسطوري، بحيث ستكون لوحدها دعائم لصرحٍ ثقافي كُردي مستقبلي طالما أنها (لم تنل موافقة جهلاء الكُرد و سعادينهم فكيف بعقلائهم العقلاء..) كما يقول الأستاذ محمود.
لكن في الفترة الأخيرة مرت عليّ عناوين مقالات كثيرة عن التاريخ و الجغرافيا و الحساب، عاملها المشترك أسم الكاتب إبراهيم محمود، و أقول مرةً أخرى أن دافعي ليس إهانة أحد إذا قلت أني لم أدخل في تفاصيل تلك العناوين، لكن فضول معرفة ما يجري كون هذه المقالات أخذت حيزاً مكانياً في مواقع النت دفعني للإطلاع على بعضها، فرأيت شكوىً من الأهمال و معاناة من بعض الصعوبات المادية و الصحية نتيجة عدم إلتفات الآخرين إلى جهود الكاتب و نتاجه التي أهمل بسببها أحواله، ما دفعه في نهاية المطاف إلى كتابة وصية تدعو إلى الإبقاء على هذا الجفاء حين تحين الساعة، بعد عُمرٍ طويل إنشاء الله.
ثمة مرض خطير لم يتطرق إليه الكاتب محمود بصراحة في مقاله الأخير (منشور غير سياسي معمم) الذي يبدو بأنه يشكل خلاصة تجربته في الحياة، كما لم يتطرق إليه ربما فيما سبقه من مقالات، ألا و هو ظاهرة (إحتكار التنظير) التي يطالب بها شريحة كبيرة من مجتمعنا و خاصةً في أوساط النخبة لأنفسهم، و كأن هؤلاء الناس ليسوا من طينة البشر، و كأنهم يقومون بذلك بتكليف رباني، فدورهم في الحياة تأليف النظريات و على الآخرين خدمتها و خدمة أصحابها ليل نهار و وضعهم في مصاف الآلهة و النبيين، و قد يدفع هذا الإحتكار المرضي بأصحابه إلى الكسل و أهمال ألفباء الحياة، و أعتذر مرةً أُخرى للإشارة إلى ما ورد في مقال الكاتب إبراهيم محمود، لكن دون ربط ما سأورده لاحقاً بما ذكرته أعلاه، كوني غير مطلع على واقع الحال، فهو يقول بأنه (مقيم حالياً في قامشلي في بيت معرّض للهدم، و الحالة الصحية ليست على ما يرام شأن الحالة المادية).
و مع أني لم أفهم الصلة بين مقالٍ أدبي لباحثٍ كُردي و بين ما ورد فيه من أمور شخصية كثيرة تصلح لجلسات سمر، لكن ذكرها بهذا الشكل يدفعني للقول بأنه كان يجدر بالكاتب إيلاء أوضاعه بعض الإهتمام، كان عليه أن يقتطع من وقته الذي يخصصه للكتابة التي و حسبما يشكو لا تلقى التقدير الكافي، للإهتمام بصحته، و زيارة الطبيب، عسى أن يجد لديه الدواء الشافي، و إن تعذر عليه ذلك، ممارسة رياضة (اليوغا) التي نصح قادة الأحزاب الكُردية يوماً بممارستها، و أعتقد كذلك بأنه كان الأجدر به أن يخصص بعضاً من وقته الثمين ذاك لإصلاح داره المعرضة للهدم كما قال، خاصةً و أن الشتاء لن يتوقف عن المجئ مرةً، و لا ينبغي للمرء أن يطمئن لحرارة الصيف فهي لن تدوم للأبد، و أظن أنه في حال شمر عن ساعديه فسيجد الكثيرين و قد وقفوا إلى جانبه بدءاً من الجيران، لأن ما جلبه منشوره الإنترنيتي ذاك من ردود أفعال عاطفية، أصحاب بعضها يقيمون في مكانٍ قصي، لن تُصلح داراً و لن تُرجع صحةً.

هذا و لم يتناهى إلى علمي بعد أن الكتابة ـ كُردياً ـ كانت الدجاجة التي تبيض ذهباً، و كم من كاتبٍ لا يملك حتى بيتاً معرضاً للهدم، أو مُضطرٌ للعمل في مهنة متواضعة لإعالة نفسه، هذا بالإضافة إلى ما يلقاه البعض من صنوف التهديد و الوعيد لثباتهم على رأي أو دفاعهم عن وجهة نظر أعتقدوا بصحته.
لقد إنتهى الزمن الذي كان يعتبر فيه السياسي أو الكاتب أو أي شخصٍ آخر قطباً ينجذب إليه الآخرون، أو شمساً تدور حوله الكواكب، فلقد تعددت الأقطاب و كثرت الشموس و أصبح الشارع هو الميدان الذين يتوهج فيها الناس.

إنها رفاهيةٌ حقاً أن يجلس أحدنا في بيته، و يستحضر كل ذخريته الأدبية ليخط بها وصيةً، يصوغها لتدر دموع الآخرين و تعاطفهم، و أقول بأنها رفاهية، نظراً إلى هؤلاء الذين يندفعون إلى الشوارع اليوم، ليخطوا بدمائهم و ليس بأقلامهم أبجدية الحرية، التي تملأ مكتبات العالم، دون أن يتاح لهم الوقت الكافي لوداع أحبتهم، أو يفكروا للحظةٍ ما في وريقة يكتبون عليها وصيتهم، أو فيما إذا كان ثمة قبر سيلم أشلائهم المتناثرة، أو شاهدة تدل عليهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس خسارة غربي كوردستان ليست المأساة الأكبر، لماذا بقيت كوردستان غائبة عن العالم؟ تناولتُ في الجزء الأول العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى تآكل تجربة غربي كوردستان، من أخطاء الإدارة الذاتية والانقسام الكوردي، إلى الاجتياحات الإقليمية وتقلب المصالح الدولية. لكن الوقوف عند خسارة هذه التجربة وحدها قد يحجب السؤال الأكبر: لماذا تبقى كل تجربة كوردية عرضة للعزلة والتراجع؟…

تداولت بعض المنصات المؤدلجة ووسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بها خبر مفاده انني عارضت تعليم اللغة الكردية في المدارس في المناطق الكردية حين لقاء وفد البرلمانيين الكرد مع السيد وزير التربية والحقيقة هي كانت كالتالي أنا اقترحت ان نعمل على مسارين بنفس الوقت هما الحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها بين الطلبة مع الحفاظ على مستوى تعليم متقدم ومتطور ولتحقيق الهدفين معا…

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…