قواسم الكردي العظمى.. قراءة عاجلة في مدوَّنة باب «جامع قاسمو»

إبراهيم اليوسف

ما أصعب طرق باب الكتابة،  كلما أجدني في مواجهتها، في مقام الإشكال الكردي الكردي،  الإشكال الذي طالما أحببت تجنبه، في وتيرته الأعلى، منذ بداية الثورة، وحتى الآن، بل وما قبلها، في مقام المهادنة، في مسار النسيان الفاضل، وإن كنت كسواي، من متابعي الشأن الكردي، على بيِّنة يومية، من التفاصيل الصغيرة المتعلقة بأبناء شعبنا الكردي في سوريا، حيث لاخفاءَ لحقيقة، سواء أكان من خلال ما ينشر عبر الشبكة العنكبوتية، على لسان شهود العيان الموثوقين، أو من خلال ما يردني من بريد، عن طريق الأخوة الكتاب، والناشطين، المجرَّبين، والذين لا ينحازون إلا للحقيقة، بغضِّ النظر عن أية رؤى ضيقة، مسمِّين خطأ كلِّ طرف على حدة، ومن بينهم الذات، والمخاطبين.
ومن عادتي، حين يكون هناك خلاف كردي كردي، فأنا أحاول الوقوف على موازاة الطرفين، حتى لحظة استبيان الحقيقة –وهي واضحة أبداً- لئلا أكون طرفاً، إلا مع ضمير شعبي الكردي، حيث البوصلة الأصح التي لابد من الاهتداء بها، وهي لا تقبل أي خلاف بين أفراد الأسرة الواحدة..! .
لن أحاول، هنا، أن أتوقف عند التفاصيل، مادمت أمام وجهتي نظر، كلتاهما للأهل، كي لا أوقظ إبليس هاته التفاصيل، النائم، بل أريد أن أشير على نحو عام، أن المرحلة الحالية، جدَّ حساسة، وجدَّ دقيقة، وهي لتتطلب من جميعنا ضبط الأعصاب، لئلا تتغلب إرادة أجهزة النظام الدموي، في إشعال وطيس فتنة كردية كردية، كي تلعب، على عادتها، دور المتفرِّج، وهي المبنية أصلاً من نطفة إلغاء الآخر، وفي رأس قائمة الإلغاء في نظرها، الكرديُّ نفسُه، وهو ما قد لا ينتبه بعضنا إليه، حتى الآن، في تدوين مأسوف..!
ولئلا أقفز فوق النقاط العريضة التي لابد من أركز عليها، هنا، فإنني أرى ضرورة أن تكون كردية الكردي، القاسم المشترك الأعظم، والعمود الفقري، والبوصلة التي نهتدي بها، في هذه المرحلة الحاسمة، فوق أي من التصانيف الراهنة، أو اللاحقة-على علو قدر كل ما يستأهل التقدير- وهي كذلك، جوهراً، إذ ليس من مأثرة لكردي، أنى كان ، أكبر من هذه المأثرة، بالنسبة إليه، أن يكون أخا أخيه، وهذا ما يرتب عليه، ضرورة عدم التفريط بها، كرمى ماهو أقلّ شأناً، في سلم الترتيب،لأنَّ الكرديَّ ليحمل رمزه في روحه، وهو يواجه صليب إخلاصه الذي طالما يهدِّده، ليس في بضعة العقود من تاريخ سوريا، المغتربة، خارج سوريتها، وأسوار حريتها، فحسب، بل منذ قرون من تيهه، ووفائه للقيم، والآخرين، بلا مقابل في كفة ميزان الوفاء.
وضمن  فضاء هذه النقاط العريضة، فإن استمراء الكردي، في الاعتداء على أخيه الكردي، أياً كان الدافع، لهو أمر يدخل، في إطار المحرَّم، لاسيما وأن القوة التي يتمُّ اللجوء إليها، لابدَّ وأن توظف من أجل صون حياة الشعب الكردي، و دعم استحصال حقه المسلوب، عبر طرق الحوار السلمي، لا منعه من رفع رايته الكردية، أو حتى رفع راية الاستقلال التي ننحاز إليها، الآن، سورية الألوان، والأحلام، مادامت تستفّزُّ النظام القاتل، وهوفي ذروة استفزازه، أوحضيضه، أصلاً، ومادامت لا تتقاطع مع علم حزب البعث، بل ولا مسوِّغ البتة، لأيِّ تنطُّعٍ لكمِّ فيه، حتى وإن هلل أحدهم، أوكَّر باسم الخالق، العظيم، الأوحد، أو ما يشاء من صفات عظمى، على قدر رؤيته، و أقولها، علناً، دون أن تمسَّ حرية الآخر، كل الفضاء المعلمن الذي يحتل روحي، وفكري، وأنا أسنُّ سيرتي، وتاريخي، الشخصي..!
أن يقف شباب، أياً كانوا، قدام جامع قاسمو، يمررون الناس واحداً واحداً، متجاوزين بذلك الخطَّ البياني، لسطوة رقيب بات يتهاوى، بالرغم من كل أفانين، وأدوات العنف التي استخدمها، ، على امتداد عقود عمره، ولايزال، يمارسها، في حشر جاته الأخيرة، فهوما لايمكن القبول به،  ولا مسوِّغ البتة، لمن يمارس مثل هذه السطوة المبرقعة، كي يسمي الجامع جامعه، وهو في ركب الحراك، وفاق تأشيرة دخوله، متأخراً، أو مبكراً، مادام التاريخ لايزال يسجل خطوطه، امتداداً لذاكرات الشهود، ولايزال حبر بعضهم يروي واقعة موقفه من الثورة، فلا سبيل للزِّيغ والتزوير.
جامع قاسمو، كان منطلقاً للشباب الكردي، وهم أمةٌ في شباب، وليسوا إقطاعاً لأحد، حتى وإن قادهم حلم صناعة الغد إلى هذا الموقع، أو ذاك، فلقد كانوا منطلقاً للمساهمة الكردية الأولى في الثَّورة، حينما كان يشهد الجامع  نفسه محاولات، أبعاض، للتطاول بفتاويهم على فتواتهم، للجمهم، تحت هذه الذريعة، أو تلك.

و حسناً، لنعف بعضنا بعضاً، الآن، عن كل خطأ  مادام هو دون أطم الدم، واسترخاص الروح،.

 ولنقرَّنَّ أن هؤلاء الشباب، هم من دونوا اسم شعبهم في صفحة الثورة السورية، في أول بسملتها، أو هلهولتها، أو نشيدها، لافرق.

ومن هنا، فإن للجامع، مكاناً، دلالته الرمزية الكبيرة، في ضميرنا الكردي، وضمير سوريا، حاضرين، في حدود مساحة عام ونيِّف، في استحقاقه الحديث، وإن إقصاء الشباب عنه، لهو أمرٌ في منتهى العسف، ولعلّ الشباب حين يلجؤون إلى مكان قصي، فهم يفعلون ذلك حرصاً على رباط الكردايتي الأعظم.
الهفوة، في أقل توصيف، بما يساوقها، مع توتر اللحظة-  إن كانت  صنيعة الكردي- حتى وإن غضضنا عنها النظر، فهي باديةٌ، ولكم تناسينا عظائم الأخطاء التي تمَّت، دون أن نلامسها، بالشكل المطلوب، لئلا ننجرَّ إلى ماهو غير محمود، في حدود الشفاهة، وما يقدحه الحبر الإلكتروني، من ردَّات فعل، وكشف عن المستور، وإن كان في بال  كل منا قمم من ألم، وحسرات، نلعقها، في مقام مصير شعب على باب التحول الكبير.
إن ينتصر الكرديُّ على الكرديِّ- وهو الهتك العياني- فكلاهما مهزوم، حتى وإن راح أحدهما، ونتيجة ضيق أفقه، ليظننّ أنه ممتلك أدوات القوة،والبأس،  أكثر، من سواه!.

إن ينتصر الكردي على الكردي، فثمة أعداء في الجهات الأربع يصفقون ضد كليهما، وثمَّة أصدقاء في هاتيك الجهات نفسها، يؤلمهم مافي المشهد، وثمة أمهات كرديات يبكين، ومن بينهن أم القاتل أو القتيل، أمام مشهد القتل،  ولو افتراضاً، وإن أية قوة كردية، في مثل هذا المقام، ناقصة، وهي تستخدم، في شكلها الخاطىء، وفي وقتها الخاطىء، وبالطريقة الخاطئة التي لا تسجل أية مأثرة، لمن يلوذ بها..! .
-لنكن يداً واحدة..!
هو صدى صوت الكردي، من أعماقه، في لحظة حكمته، وهو يرى بأم عينيه حجم التآمر عليه، حيث تتساقط أوراق التوت ليس عن عري من تفوح منهم رائحة الحقد الأزلية عليه، بل من قبل من حاول، أولما يزل يحاول إعطاءه” الحلاوة” من طرف لسانه، دون أن ينسى ثعلبيته، وإن كنا لما نزل نجد من هو وفيٌّ -في المقابل- لأخيه الكردي، من أبناء المكان، في أشطار الخريطة، المجزَّأة، بمقصٍّ مزوِّر، لشطَّار محض مزوِّرين..!
-لنكن يداً واحدة!
العبارة، الغارقة، في عذوبتها، وسلاستها، يقولها الطفل، واليافع، والشاب، والكهل، والشيخ، وتقولها المرأة، والرجل.
الحكيم والبسيط
على حد سواء..!
لامجال، البتَّة للكردي، إلاه، حتى وإن فرّقت يدٌ عن أخرى، تسمية طارئة، هي في مدار دورة دموية واحدة، ومجال ضخٍّ رذاذ روح واحدة، على ظمئه، وهو نداء لايضلُّ طريقه إلى الضمير اليقظ، أنَّى كان صاحبه، وهو مهجوس بالراية نفسها، وحبِّ الجبل نفسه، والأرض نفسها، والأنهار نفسها، والأسماء نفسها، حيث لا فرق بين لفظ وآخر، في مهبِّ المعجم الواحد.
-لنكن يداً واحدة!
   آخرما يمكن أن يقوله الكرديُّ للكرديِّ، وهما يحتكمان إلى جرح في الذاكرة، يهادنان اللَّحظة ألا يتكرر، كي يظلا ممسكين، بالرقعة الشسيعة من المجد، وهما يستعيدانه، بعد طوال اغتراب، وتيه، وعذاب، وضياع…!.


12-5-2012
*جامع قاسمو:أشهر جوامع مدينة قامشلي، انطلقت من أمامه أولى مشاركات الكرد في الثورة السورية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…