سباق الظرفاء …. «أولمبياد قروية» …!!!!

خليل كالو

   يحكى أن فلاحا كرديا في مكان وزمان ما من إحدى قرى ولاية ماردين اشتكى لجاره له بستان مثله عن لص محترف يرتاد بستان كرمه يوميا تقريبا.

ويسبب له الأذية والخسارة كالدب الذي  يدخل بين الكروم ولا يعرف كيف يعالج المسألة أو يكشف عن أمره .

فهز الآخر برأسه قائلا : إن مثل هذا الخبر عندي أيضا وأسوأ.

فأنا مثلك مستهدف وحين عرف الاثنان بأن بستانيهما قد أصبحا هدف للصوص صار كل واحد ينفخ في ذاته ويتوعد ويهدد أمام زوجته.

فقال الأول: لو أمسكت به لجعلته عبرة لمن لم يعتبر وسأجره من أذنه وأدور به القرى المجاورة بعراضة وجلجلة حتى يعرف الناس من أنا وسيكون جزاء كل من يعتدي ويتجاوز على أملاكي الندم  طول العمر وسيكون مصيره ومصير أهله الفضيحة والتحقير وأنا أبو فاطمة  Bavê fatê .
فرد عليه الآخر وهو يصرصر بأسنانه ويقول آخ ثم آخ axxxxx يا ليتني أمسك به.

 فلا أنام الليل ولن ينتابني الهدوء والسكينة حتى أنتقم من هذا اللعين ولأعرفه ومن أين له هذه الجرأة وكيف يدخل إلى بستاني أو حتى النظر إليه فكيف بسرقته وأنا ما زلت أنا حيا وأنا أبو غزالة xezo  .

وزوجاتهما على بعد أمتار يقطفن الثمار ويسمعن أطراف الحديث ويهزن برأسيهما مبتسمتين قائلتين لبعضهما: ما هذه الأسود المربوطة بنبتة الخبيز  Ev çi şêrê  bi tayê tolikê ve girêdayî ne وما دمتم بهذه الشجاعة والرهبة لماذا يفكر اللص في دخول البستان ولم تعيرا الاهتمام بحديثهما لأنهما تعرفان حقيقة أزواجهما.

 فاتفق الاثنان على الحراسة ليلا بأن يستطلع أحدهم الطرف الشرقي ويراقب والآخر الغربي منه  واتفقا أيضاً على إشارة “اهجم عليه فها هو  weryê de va ye ” حين السماع للتحرك  والإمساك به واستمرت مراقبة الاثنان طوال الليل ولم يلاحظا أي شيء غريب مريب قد وقع في الجوار إلى أن أصابهم الملل وضعف الأمل إلى أن انبلج الصبح.

وفي تلك اللحظة جاء اللص دون مبالاة وهو يصفر خافتا Kuwît kuwîta wî bû, فدخل بستان الأول من الشرق وحينما ناداه بصوت عال قف من أنت وها قد أمسكت بك.

هرب اللص واتبعه الأول.

وضاعف اللص من سرعته فلحق به أبو فاطمة وسبقه بأمتار عديدة  فظن الفلاح الظريف أنه في سباق جري على الطريقة الكردية وليس العدو وراء لص للإمساك به “عاقل وحكيم زمانه” وهو يقول بينه وبين ذاته لن أدعك تسبقني أبدا وأنا “أبو فاطمةez bavê fato me  ” وعندما وجد اللص أن صاحب البستان غبي وبهذه البساطة فخفف من سرعته وانسل بين أشجار البلوط وتوارى بين إحدى شعاب الوادي, فلحق الآخر بجاره راكضا فصار الاثنان يلاحقان بعضهما البعض في سباق محموم وكل واحد منهما مصر على أن يسبق الآخر ونسيا أمر اللص ولكي لا يقال أن ابو fatê   قد سبق أبو xezo  حفاظا على كرامته وسمعة عشيرته بين أهل القرية وكأنهما في ماراتون أولمبياد إلى أن وصلا بيادر القرية فخرج أهالي القرية  ليستطلعوا الأمر والخبر وما أن رأيا الجمع توقفنا عن الجري وسألا بعضهما أين اللص يا أبو غزالة  فقال: أبو غزالة أي لص وأين هو يا أبو فاطمة وما الحكاية ..؟؟ 

 هي حكاية ظريفة ربما نعيش جوهرها الآن وقد جرت مثل أحداثها يوم الجمعة  أمام جامع قاسمو وربما في الأيام القادمة.

أبطالها فرق من حراكنا الكردي بشقيه الحزبي الكلاسيكي أو الشبابي والفعاليات الأخرى باسم الحقوق والثورة والكل فرادى وشيع وملل في سباق تنافسي محموم مع بعضهما البعض لا يعرف متى سينتهي والشيطان في عون هذا الشعب المسكين اليتيم.

 وقد ابتلى بهذا النموذج السطحي من النخب والحراك التي تتسابق مع بعضها لا لأجل مصلحة وتحقيق هدف أو بناء جسر بين أبنائه بل لعناد والبحث عن الأنا وإشباع الغرائز.

وسيستمر الوضع القائم هكذا في المستقبل المنظور إلى أن تتغير الثقافة التي تنتج هذا السلوك النكوصي والتقهقري وكذلك الفكر الذي ينير العقول ومنه منهج تفكير يبني الإنسان الكردي كما هو مطلوب متحولا من التنظيم الشخصاني إلى الجماهيري العصري يقوده ضمير ووجدان مشبع بقيم وثوابت الكردايتي , حيث لا يمكن البناء والتأسيس لشيء بدون الإنسان الذي هو هدف كل سياسة وفكر وثقافة وتنمية .

خلاصة الكلام : لا زالت العلة في صميم جوهرك يا كردو فلا تنفخوا في أنفسكم أكثر مما هو منفوخ فيها لكي لا تتفجر من تلقاء ذاتها من كثرة ما قالت أنا وأنا ولا لوم على أفعال وسياسات الآخرين من فعل سوء ومن تأثير بسبب الثقوب السوداء في باحات الفكر والوجدان ووعي الذات  لأن العلة والمعلول منا وفينا.

بربكم كيف ستتطورون وتغيرون ما في أحوالكم ونخبكم تعبث بمصيركم شر عبث وأنتم مسرورون ومصفقون فألا تعقلون..؟ وهي في سباق الظرفاء على مضمار طوله من طول السنين.

ولا زال السباق جاريا حتى هذه اللحظة إلى أن يوقف الحكم  “أين الحكام والحكماء” نهاية السباق بصفارة النهاية و سيكون طرد اللاعبين ببطاقة حمراء خارج المضمار والملعب هو التصرف الصحيح ومن مصلحة الكرد في قادمات الأيام ..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…