في تشخيص «الثورة المضادة» كرديا

صلاح بدرالدين
 

  مقابل كل حركة ثورية بأشكالها المتنوعة من كفاح مسلح أو نضال سلمي أو تحركات جماهيرية من اضرابات وتظاهرات واحتجاجات من أجل تحقيق أهدافها في الحرية والتغييروالتقدم وطوال عهود التاريخ القديم والحديث وبالتوازي معها والى جانبها وضمن صفوفها أو خارجها كان هناك فعل مضاد منه ماكان مؤثرا في مصير الشعوب والأوطان وبعضه كان مجرد علامات سوداء عابرة جرفتها سيول الثورات التحررية الديموقراطية  ولفظتها حركة تاريخ الشعوب المتجددة .

  ثورات ” الربيع العربي ” في بداية القرن الجديد الهادفة الى تفكيك نظم الاستبداد ومؤسساتها وبناها الفوقية والتحتية واجراء التغيير الديموقراطي وتحقيق الحرية والكرامة واعادة بناء الدولة التعددية الممثلة لمكونات الشعب وبحكم عفويتها ونضالها العلني وشجاعة نشطائها الى حدود التضحية ومواجهة آلة الموت بالصدور العارية من أكثر أنواع ثورات التاريخ تعرضا الى الحراك المضاد ومخططات التصفية ومحاولات الاستيعاب بكل السبل يبدأ من سلطة وأدوات وأجهزة وأذرع النظام الحاكم مباشرة وينتهي بالموالين والمستفيدين والمصفقين من حوله ومن ضمنهم (البلطجية والشبيحة) يتوزعون بين فئات سياسية وأحزاب تقليدية وتنظيمات مستحدثة وجزء من طبقات اجتماعية مستغلة كل ذلك يظهر بجلاء في حالة الثورة السورية وهي على أعتاب شهرها الخامس عشر .

  كرد سوريا كشعب وجماهير وحركة قومية ديموقراطية وبعض تنظيماتها السياسية الجذرية قرر المشاركة أو بعبارة أدق كان في موقعه الطبيعي بصفوف الانتفاضة والثورة منذ الأيام الأولى لأن له مصلحة مزدوجة في الانتصار على الاستبداد الخلاص من الدكتاتورية ونشدان الحياة الديموقراطية والحرية والانعتاق من نير الاضطهاد القومي الخاص بالشعب الكردي وقد جسد الشباب الكردي في مختلف المناطق المصلحة القومية – الوطنية ورفعوا راية النضال عالية وعبروا بصدق وأمانة في غالبية خياراتهم ومواقفهم عن ارادة الكرد كشعب وقضية ومايرنو اليه في الحاضر والمستقبل .
  أثبتت الأحزاب الكردية التقليدية بدون استثناء مجددا عن عجزها في الوفاء حتى لشعاراتها اللفظية وأظهرت مدى الفجوة الواسعة القائمة بينها وبين مصالح الكرد عندما اقترفت خطأين جسيمين في اللحظات الحاسمة الأول عندما تخلفت عن المشاركة في الانتفاضة الثورية في بداية انطلاقتها وزرعت العراقيل أمام الحراك الشبابي الكردي ووقفت صامتة مترددة أمام تلاحق الأحداث الثورية على المستوى الوطني بل مشككة بها والثاني عندما دفعها عجزها الى البحث عن خيار – هروبي – آخر وهو الأخذ بنصيحة السيد رئيس جمهورية العراق المقبولة من نظام الأسد القاضية بوقوف الكرد السوريين بعيدين عن الثورة ومحايدين وعن أن النظام وعد بمنح الحقوق القومية وهذا ما جعل المؤتمر التأسيسي الأول ” للمجلس الوطني الكردي ” بالقامشلي يتبنى قرارات تستجيب لتلك النصيحة الملغومة المؤذية ومنها عدم رفع شعار اسقاط نظام الأسد والاستعداد للتحاور معه وللتوضيح فقط كان حزب – ب ي د – وهو تابع – لحزب السيد أوجلان – ب ك ك – جزءا من مشروع الأحزاب وتخلف عن حضور ذلك المؤتمر في الساعات الأخيرة لأسباب لم تعلن بعد ؟! واذا كانت غالبية أحزاب المجلس الكردي قد استمرت في النهج الذي دشنه المؤتمر التأسيسي فانها وبصورة ما انتقلت الى الصف المضاد للحراك الشبابي الثوري في المناطق الكردية وكان عليها لو أرادت تجنب هذا المنزلق وتصحيح مواقفها واعادة الثقة والمصداقية المفقودتين أن تؤيد منذ البداية الثورة السورية وتقف الى جانب الشباب الكرد بل خلفهم من أجل تعزيز الحراك ونصرته لا أن تتحول الى مشروع بديل ولكنها سلكت خيارا خاطئا آخر ألحق الأذى ليس بالصف الوطني الكردي باثارة الخلافات والانقسامات ليس بالشارع القومي فحسب بل بالعلاقات الكردية العربية ودور ومكانة الكرد في المعارضة الوطنية .
 أما جماعة حزب أوجلان – ب ي د – فجسدت بشكل فاقع الحراك المضاد في مواجهة الثورة السورية بكليتها وبشقيها العربي والكردي ونحن هنا لانرمي التهم جزافا بل نبني حكمنا على وقائع على الأرض ومواقف سياسية معلنة فقد أقدمت الجماعة ومنذ عدة أشهرعلى ممارسة أعمال عنف مضادة ضد الناشطين الكرد في الحراك الثوري في القامشلي ورأس العين والدرباسية وعفرين وكوباني وغيرها وترسل التهديدات لمن يخالفها الرأي وكان آخر ماقامت به يوم الجمعة الفائت الاعتداء على قيادات وطنية معروفة في ” اتحاد القوى الديموقراطية الكردية ” هذا الفصيل الوطني الثوري وخاصة الناشط المعروف والشخصية الوطنية الشيخ عبد الصمد وأمام جامع – قاسمو – ذلك الصرح الذي انطلق منه مئات الآف من المناضلين ويتمتع بمكانة خاصة في نفوس بنات وأبناء شعبنا وفي التفسير السياسي لهدف هذه الأعمال المنافية للتقاليد الوطنية والقومية والديموقراطية وللأخلاق الاجتماعية يتوصل المراقب الى نتيجة بأن تلك الجماعة تقف في وجه الحراك الثوري وتخرج عن الاجماع القومي وتناصر نظام الاستبداد بصورة مباشرة ولن تزيل هذا الحكم تصريحات أو بيانات لفظية تصدر من هنا وهناك , سبيل واحد أمام هذه الجماعة لتخفف من وطأة أصابع الاتهام المشيرة اليها وهو الاعلان الواضح والصريح عن عدم تبعيتها لحزب أوجلان ورفض الاتفاق المبرم بين قيادة – ب ك ك – وأجهزة النظام السوري منذ حوالي الستة أشهر خدمة لمصالح الطرفين في مواجهة النظام التركي بحسب ما ورد فيها علما أن لجميع المؤسسات السياسية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني التابعة ل ب ك ك في تركيا علاقات سلمية وطيدة مع النظام والحكومة والبرلمان ولهذا الحزب سابقة في هذا المجال فقد قدم خدماته لنظام حافظ الأسد بعد اعتبار كرد سوريا مهاجرين يجب اعادتهم الى وطنهم في الشمال (كما ورد بكتاب عن أوجلان عشرة أيام مع القائد) وتحت ذريعة محاربة تركيا لأكثر من عشرين عاما الا أن تخلى عنه الأخير وطرد زعيمه شر طردة فما هي مصلحة الجماعة الكردية السورية في ذلك وهل هي على علم بتفاصيل الصفقة ؟ بل ما هي مصلحة الشعب الكردي السوري والثورة السورية في ذلك ؟ أليس وجود الجماعة المنفرد كرديا في “هيئة التنسيق” المعروفة بصلتها الوثيقة مع النظام محاولة مكشوفة للاختباء وراء شعارات مزايدة (عدم التدخل الخارجي أي ضد الحماية الدولية ولا للعسكرة أي لالدفاع السوريين عن النفس ووو) أوليس التحرش اليومي من جانب الجماعة بالناشطين الكرد في مختلف المناطق وتكرار الاعتداءات عليهم تعبيرا عن موقف سياسي مبيت ومقرر في الدوائر المظلمة ؟ .
  لم تكن غالبية أحزاب “المجلس الوطني الكردي” وجماعة – ب ي د – التابعة لحزب أوجلان لامن محركي الثورة السورية ولامن الناشطين الشباب في المناطق الكردية ولامن المشاركين فيها بل قررت بعد حوالي ثمانية أشهر من عمر الثورة التسلق عليها واستثمارها لمصالح حزبوية ضيقة وحسابات خاصة ومن المفارقة اللافتة أن ظاهرة “الحراك المضاد” واثارة الفتن والانقسامات وتقسيم صفوف المظاهرات والاحتجاجات في جميع المناطق الكردية تزامنت مع هذا التاريخ بصورة دقيقة .
  قد يرد البعض على ما أوردته في هذه المقالة وينفي ويتبرأ ويدين ويخون وأوضح لهذا البعض سلفا – وقد أعلنته أمام الملايين عبر فضائية كردستان تي في من أربيل – أن الخيار الأمثل لمعالجة الأزمة المتفاقمة هو التلاقي بين الأطراف الكردية المتواجدة على الساحة (المجلس الوطني الكردي – و – اتحاد القوى الديموقراطية – و – ب ي د – وسائر التنسيقيات الشبابية الناشطة) ومناقشة إقامة جبهة ديموقراطية توافقية مشتركة على قاعدة كون الكرد جزء من الثورة السورية ومواصلة النضال حتى اسقاط نظام الاستبداد وتفكيك سلطته واعادة بناء الدولة التعددية على أساس الشراكة وضمان حقوق الشعب الكردي بحسب ارادته الحرة في اطار سوريا الجديدة الواحدة وأتعهد بأن أكون جنديا في خدمة هذا المشروع الانقاذي الحيوي وهناك مئات الالاف اذا لم يكونوا بالملايين من شعبنا يتوقون الى تحقيق هذه الأمنية الغالية .


شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…