نحو بديل ديمقراطي لثقافة الاستبداد!!

    باڨي لقمان

   الكرد ومنذ القِدم وحتى الوقت الراهن كانوا سبّاقين إلى الأخوة العربية –الكردية، سبّاقين للحوار الجاد معهم، فبابُهم مفتوح للحوار، وقد ثبت هذا تاريخياً وعملياً حتى الوقت الراهن.

فقد كانوا دائماً مع العلاقات الطيبة مع العرب على أساس الاعتراف المتبادل، وثقافة العيش المشترك لكلا الشعبين، ومعلوم أن الكرد لم يأتوا عبر التاريخ بما يشينُ للعرب، بل أنهم كانوا مساندين للعرب في جميع الأزمات بحكم الجوار الجغرافي، والوازع الديني، لأنّ الوطن للجميع والكرد شركاء فيه،
 وإن ما لحق بالكرد من المظالم تاريخياً لم يكن بيد الأخوة العرب بل  كانت بيد السلطات التي حكمت البلاد، من أجل مصالحها الضيقة حفاظاً على عروشها، بعيداً عن مصلحة الوطن التي ينبغي أن تعترف لأجله بجميع المكونات التي ترسم فسيفساء الوطن بما يفضي إلى الرقي والازدهار، وظلّوا  لأجل هذه الثقافة الضيقة يظلمون الكرد ويفتكون بهم ويمارسون أبشع أنواع الأساليب القمعية ضدهم، وضد تاريخهم وثقافتهم، والتي كان من شأنها لو تُركت لحريتها أن تُغني الوطن بما يمضي قُدماً بالبلاد نحو الحرية والازدهار، فأي تطور أو تقدم مع الكرد هو يعني تطوراً وتقدماً لشركائهم العرب، ولطالما ثبتَ هذا على مرّ التاريخ الإسلامي والمعاصر، وفي لحظات التاريخ التي تركت هامشاً لهذا التعاون.

لكنّ مع كل هذا ظلّ الكردي متوازناً، ولم يأخذه ظلم الحكّام إلى الحقد والكراهية ضد العرب لأنّه ربط ذلك الظلم والاضطهاد بالأنّظمة العربية وليس بالشعب العربي، ولكن لا نريد أن ننبش في الماضي كثيراً.
في هذا الوطن علينا جميعاً بأن نسير على طريق الديمقراطية والتوافق بعيداً عن منطق الاحتواء الذي يرتقي أحياناً إلى دكتاتورية الأغلبية.
إنّ ثقافة الحكام والمحافظة على العروش، بقيت ثقافة إقصائية في معظم لحظات التاريخ، لأنّها ببساطة ثقافة الإبقاء على العرش، لكن ومع بناء الدول الحديثة، ظهرت طبقات سياسية أخرى موازية لثقافة السلطات، طُلب منها أن تكون صوت الشارع، والأكثر التفاتاً لثقافة الجوار.
وفي تاريخ سوريا الحديث، إذ نعيشُ الآن ثورة على جميع المستويات، ظهرت مجموعة من الكتل السياسية المتنوعة لتكون صوت الشارع والإنسان السوري الحر، واتفقت على إطار أوسع وهو “المجلس الوطني السوري ” والتي ألقت على عاتقها التعبير عن مطلب الشارع.
ولأنّه اعتبر ممثلاً عن غالبية كبيرة من الشعب السوري وحظي بالاعتراف من أطراف دولية كثيرة “أصدقاء سوريا”، يطلبُ منهُ الإقرار بالكرد كشريك حقيقي في هذا الوطن، وأن للكرد خصوصيتهم المغايرة للخصوصية العربية، والتي تتقاطع معها بحكم العيش المشترك ضمن دولة واحدة، وعلى هذا المجلس أن لا يأخذَ موقع عقلية الحاكم الإقصائية، وأن يكون واضحاً وصريحاً بخصوص الحقوق المشروعة للشعب الكردي دون مواربات، وهذا يعطي زخماً أكثر له في الشارع.

  
برغم إقرارها ببعض البنود المتعلقة بالشعب الكردي في سوريا وعى الرغم من إيجابيتها، إلا أنّها لا تعد كافيةً للتعبير عن حسن النوايا، ومطلوب منها أن تُدرج الحقوق القومية للشعب الكردي بشكل واضح في الوثيقة السياسية لتُظهر أمام الرأي العام مدى جديتها وتعاملها حيال الكرد.

وكل ما نريده من هذا المجلس هو الاعتراف بالواقع الموجود، وفتح قنوات حرّة تخدم الأخوة العربية – الكردية بحيثُ يفرض وجوده على الواقع وعلى منطق التكبّر حتى لا تكرر لغة الاستعلاء – التي كانت تتعامل بها السلطات مع الكرد – مرة ثانية بين الشعبين بحيث يكون حواراً حضارياً، وثقافياً يثمر نتائج مرجوة تخدم أبناء الوطن دون استثناء، وهذا من شأنه تقوية أواصر الأخوة بين جميع المكونات المختلفة، من دينية وعرقية، ومذهبية، لنمارس قطيعة كاملة مع عقلية الماضي الاستبدادية التي مارستها السلطات.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمود أوسو نحن لا نكتب عن التاريخ لنتفاخر بالماضي، ولا عن الدين لنكفر أحداً، ولا عن السياسة لنشتم قومية أو نقدس قومية. نكتب لأن السكوت خيانة، والحوار واجب. من يظن أننا عندما نكتب عن حدث تاريخي أو ديني أو اجتماعي، هدفنا إهانة دين أو قومية، فهو لم يفهم حرفاً مما نكتب، ولم يفهم معنى أن تكون إنساناً. نحن نحترم…

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟ فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما…