أيّ درسٍ ستحفّظه روسيا الأسد؟

هوشنك بروكا

لا تبدو هناك أية مؤشرات على الأرض تدلّ على تبدلّ الموقف الروسي من القضية السورية.

كلّ التحركات الروسية، في السرّ وفي العلن، تقول بأنّ روسيا لن تتخلى عن قلعتها الأخيرة في مياه المتوسط “الدافئة”.

روسيا(السوفياتية) التي كانت تملك في الماضي حق رسو بحريتها في ست دول متوسطية، لم يبقَ أمامها الآن بعد خسارتها لليبيا سوى ميناء طرطوس السوري.

في حال خسارتها لهذا الأخير ستخسر روسيا آخر موطئ قدمٍ لها في المنطقة، لتتحول مياه المتوسط إلى “بحيرة أطلسية” في قبضة قوات الناتو، ناهيك عن خسارتها  لأسواق السلاح.
روسيا حفظت على ما يبدو درس الخسارة في ليبيا، ولن تسمح بتكرار ذات الدرس وذات الخسارة في سوريا.

من هنا يمكن قراءة دفاعها المستميت عن النظام السوري، بإعتباره دفاعاً عن وجودها في المنطقة، قبل أن يكون دفاعاً عن بقاء الأسد.

لا سيما وأنّ “البديل” القادم الممثل ب”المجلس الوطني السوري” وتوابعه، المرشح لمسك زمام الأمور في سوريا من بعد الأسد، ليس “بديلاً مطمئناً” لها، كما هو واضح من تصريحات  الكرملين.
روسيا نجحت حتى الآن في “حماية” النظام السوري من السقوط، عبر تلويحها المستمرّ باستخدامها حق النقض الفيتو ضد كلّ مشروع أممي، من شأنه يدين هذا النظام وآلة قمعه العسكرية، أو يهدد بأي تدخل عسكري لإسقاطه بالقوة.

لكنّها تعلم في المقابل، أنّ ليس في مقدورها الإستغراق في “لاءاتها” ضد الإرادة الأممية إلى ما لا نهاية.

ناهيك عن أن استخدامها للفيتو هو في المحصّلة، “عنادٌ” في السياسة أكثر من أن يكون سياسةً.

ربما من هذا الباب، قبلت روسيا بالمبادرتين العربية تحت مظلة الجامعة العربية، والأممية الأخيرة برئاسة كوفي أنان، المهددة حتى الآن، بأكثر من فشلٍ، وذلك ل”إنقاذ” حقها في استخدام الفيتو، وإضفاء نظام الأسد “شرعيته” المفقودة.
ومن هنا تحديداً يمكن قراءة  موقف روسيا الداعم بقوة لخطة أنان، بإعتبارها “الفرصة الأخيرة لتجنب سوريا من الحرب الأهلية”، على حدّ قول أكثر من مسؤول روسي كبير.

من العقلانية وكذا الواقعية السياسة بمكان، أن لا يضيّع الروس على حليفهم الأسد، فرصته الأخيرة لتجنب السقوط، والخروج من أزمته المشتعلة منذ 13 شهراً.


لا شكّ أنّ هناك تشكيك سوري(على مستوى المعارضة) وعربي  وأممي كبير في نية الأسد الإلتزام ببنود الخطة الأممية الست، وهذا نابعٌ من رصيد الأسد الكبير في عدم ترجمته لأقواله إلى أفعال، وقفزه على كلّ الوعود التي قطعها منذ تسلمه للسلطة عام 2000، وعدم استماعه للمناشدات الدولية ولنصائح الأصدقاء.


وما عزز هذه الشكوك الأممية والعربية، هي التصريحات الأخيرة التي أطلقها اليوم، الناطق بإسم الخارجية السورية جهاد مقدسي، والتي أكد فيها على رفض دمشق  سحب قواتها من المدن ومحيطها بتاريخ 10 نيسان، من دون ضمانات خطية من الجماعات المسلحة لوقف العنف بكل أشكاله، واستعدادها لتسليم أسلحتها، وكذلك ضمانات بالتزام حكومات كل من قطر والسعودية وتركيا بوقف تمويل وتسليح المعارضة السورية.
عدم التزام دمشق بهذا البند ضمن المهلة الزمنية التي أشرفت على نهايتها، يعني أن خطة أنان باتت قاب قوسين أو أدنى من الفشل.

وهو ما سوف لن تسمح به روسيا، لأن ذلك سيدفع الأوضاع في سوريا نحو المزيد من التشابك والتعقيد والإنهيار، ويعرّض موقفها إلى المزيد من الإحراج في مجلس الأمن، سيما وأنّ هذه ستكون ربما الفرصة الأخيرة، التي يمكن منحها إلى الأسد لإنقاذ نفسه من “النهاية الحزينة”، على حدّ وصف الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، ذات مرّة.
بالرغم من كلّ هذا التشكيك في “مصداقية” وعود الأسد، وهو تشكيك في محله، إلا أنه من الواضح أنّ هناك إصرار روسي على الأسد للقبول بالخطة وتنفيذها، كحلٍّ أخير للخروج من الأزمة، خصوصاً وأنّ ليس هناك في الخطة أيّ بند يطالبه بالتنحي عن السلطة.
بغض النظر عن حظوظ الأسد الضعيفة جداً في البقاء على رأس السلطة في سوريا ما بعد “خطة أنان”(فيما لو دخلت التنفيذ)، إلاّ أنّ عدم وجود بندٍ صريح يطالبه بالتنحي، يعني بقاءه “رئيساً شرعياً” في السلطة، كطرف رئيسي محاور في الأزمة.

ويعتبر ذلك بحدّ ذاته، فيما لو تحقق، “نصراً” يسجّل للأسد ولحلفائه، في وقتٍ لا تزال غالبية أطراف المعارضة السورية، لا سيما تلك الممثلة بالمجلس الوطني السوري، ترفض أيّ حوارٍ معه، لأن “القاتل لا يُحاوَر”، حسبما يقول لسان حال مؤتمراتها.
الدرس الروسي الذي ليس على الأسد إلا أن يحفظه، سيكون عنوانه على الأرجح، هو “أقبل بشيء، قبل أن تخسر كلّ شيء”.
هذا ما سيسمعه، على الأغلب، وزير الخارجية السورية وليد المعلم من حلفائه الروس، غداً، أثناء لقائه معهم في موسكو.
فهل سيحفظ الأسد الدرسَ الروسي هذه المرّة، لينجو بنفسه من النهاية الأكثر من حزينة، أم أنه سيدير ظهره لمبادرة أنان ومن حوله من العالم، كما فعل من قبل، مع مبادرين ووسطاء وأصدقاء وشركاء آخرين، في كلّ مرّة؟
hoshengbroka@hotmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق ملا الحكومة السورية المؤقتة وخلال الشهور الثمانية عشر الماضية من توليها السلطة في دمشق لا تولي أي إهتمام لمشاكل الشعب السوري الداخلية وقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والحوار الوطني ، بل ترسخ ثقافة اللون الواحد والأيديولوجية الواحدة ، حتى بات ينظر إليها كنسخة مكررة من الإستبداد، ترتدي عبائة الشرعية الثورية وتمارس القمع باسم الحفاظ على وحدة البلاد، وإن استفراد منظومة…

إبراهيم محمود ” محاكمة الكاتب والروائي يشار كمال – من وضْع المترجم “ ( ملاحظة من المترجم: لأهمية هذا الموضوع، رغم طوله النسبي، وهو كلٌّ لا يتجزأ، أقدمتُ على نقله عن الفرنسية إلى العربية، آمل أن يكون في قراءته ما يفيد قارئه تاريخياً وأبعد ممّا هو تاريخي، وخاصة مقال يشار كمال : السماء المظلمة فوق تركيا ضمناً، المحرك…

د. عدنان بوزان ليس المقصود من هذا المقال الدفاع عن هذا الطرف أو ذاك، ولا تبرئة أي مسؤول من أخطائه السياسية أو الإعلامية، بل محاولة قراءة المشهد الكوردي كما هو، بعيداً عن العواطف والانفعالات؛ لأن القضية الكوردية اليوم أحوج إلى النقد العقلاني من حاجتها إلى التصفيق أو التخوين. تابعتُ عن كثب المقابلة التي أجراها السيد سمير آسو (سيبان حمو)…

حسين امين ما أسهل أن تمارس السياسة من خلف شاشة هاتف، وما أسهل أن تتهم كل من يخالفك بالرأي. فإذا لم يصفق لك، أو انتقد موقفًا، أو كشف خللًا، انهالت عليه الاتهامات: هذا عميل، وذاك متخاذل، وثالث يكتب لأنه يعيش في أوروبا. لهؤلاء أقول: أنا لم أتعلم السياسة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل عشتها منذ طفولتي. بدأت في اتحاد الشباب…