حين يغدو ذبح الإنسان وحرقه ثقافة

د آلان كيكاني

قبل ستة أشهر دعاني زميل لي إلى مشاهدة مقطع من الفيديو على هاتفه المحمول يظهر فيه مجموعة من الشبيحة قيدوا بضع شباب في حمص ومن ثم قاموا بنحرهم نحر الخراف فرادى متقصدين ذبح الواحد منهم أمام أعين الآخرين الذين ينتظرون أدوارهم استزادة في الإجرام وإفراطاً في الترعيب والترويع والترهيب والتعذيب في نفوسهم قبل ذبحهم .

لا أستطيع وصف ذاك المشهد الذي كان يعبر عن أقصى ما يمكن أن تصل إليه النفس البشرية من الغلاظة والقسوة وغياب الوجدان والضمير , بل وانعدام الشعور الإنساني كلياً .
رأيت المشهد مروعاً بحق , بيد أنني جراحٌ وقضيت الكثير من أوقاتي في غرف الطوارئ والعمليات ويداي ملطختان بالدم .

وكثيراً ما شاهدت أشلاءً مقطعة وعيوناً خارج محاجرها وأدمغةً خارج أقحافها وقلوباً خارج أقفاصها ورؤوساً مفصولة عن أجسادها فغدت رؤية مثل هذه المناظر من روتين الحياة اليومية لي , إلا أن منظر ذبح الإنسان للإنسان بدم بارد لم تستطع عيناي تقبله على الرغم من التمرين اليومي منذ عشرة سنوات على منظر الدم والأشلاء كما أسلفت , ولم استطع متابعة الفيديو إلى آخره لفظاعته وبشاعته التي لا يمكن تصورها .
ومن حينها تكرر مشهد الذبح على الساحة السورية كثيراً , ويكاد لا يمر يوم لا نرى فيه على الانترنت شخصاً يذبح آخر أو يحرقه , إلا أن الذروة كانت اليوم صباحاً إذ أقدمت قوات الأمن والشبيحة في حمص على إعدام سبعة وخمسين شخصاً ذبحاً بالسكاكين أو حرقاً وهم على قيد الحياة .

وما يبعث في الجسد قشعريرةً هو أن يكون معظم الضحايا من الأطفال والنساء ممن لا حول لهم ولا قوة ولا طاقة للدفاع عن أنفسهم .
صحيح أن الذبح والحرق قد مورسا في مراحل من التاريخ البشري على نطاق غير ذي ضيق ومنه التاريخ الإسلامي حيث مورس في حروب الردة بكثرة , كما أحرق النازيون ملايين اليهود إبان الحرب العالمية الثانية في أفران صممها  لهم هتلر .

إلا أن الذبح في سالف الأزمان كان يجري في ساحة المعركة بضرب العنق بالسيف لمعتقل أو أسير من الأعداء في ساعات عصيبة على المقاتل وهو أمر لا يمكن مقارنته مع الوقائع التي تجري الآن في حمص حيث يتم اعتقال الأبرياء من أبناء البلد وتقييدهم واقتيادهم إلى أماكن مغلقة ثم ذبحهم أو حرقهم  بدم بارد .

 
يا له من مشهد ! أن تحمل سكيناً , وتتقدم من إنسان تريد ذبحه , وهو مقيد ومستلق على الأرض ينظر إليك بعينين متوسلتين , وهو بكامل وعيه وشعوره , يصرخ ويستنجد بك ويستعطفك ويتدخل عليك ! ومن ثم تجهز عليه وتقطع شرايين عنقه وينفر منها الدم قذفاً عنيفاً وأنت تنظر  دون أن يتحرك فيك مشعر أو حس إنساني ! ترى ماذا يصيب هذه الضحية قبل أن تلفظ أنفاسها ؟  منظر لا يمكن أن يتقبله الحيوان فما بالك بالإنسان ؟
أي حقد وأي ضغينة وأي قلب يحمله الإنسان الذي يقدم على هذا الفعل الشنيع بحق إنسان آخر ! وأي ضلالة ينزلق نحوها أبناء سورية في هذه الأيام ! وأي فسحة يتركها هذا النفر الشاذ للتعايش في المستقبل بين مكونات الشعب السوري ؟ .

إذ يمكن العيش بسهولة في بيئة يسود فيها الفقر والجوع والمرض أما العيش في أرض تنتشر فيها ثقافة الذبح بالسكين فهذا ضرب من المستحيل .

وعليه فإن سورية ونتيجة لما يفعله بعض أبنائها من نحر للبعض الآخر على طريقة أبي المصعب الزرقاوي تتدحرج حثيثاً نحو مستقبل مجهول لا يبشر بالخير .

13/ 03/2012

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…